هل كان الموسيقار محمد عبد الوهاب يسرق الألحان؟

يعد موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب (1902 -1991) أحد أهم الأسماء التي تبنت عملية التطوير في الأغنية العربية ومر بمراحل صعبة ومهمة قبل بزوغ نجمه كفنان وملحن، بداية من تعلم عزف العود على يد محمد القصبجي مروراً بمرحلة العمل في فرقة الفنان سيد درويش إلى لحظة التبني والدعم التي وجدها من أمير الشعراء أحمد شوقي الذي تكفل بتعليمه وتهذيبه وبناء شخصيته، وكان له أباً روحياً، وفي مرحلة شوقي صار عبد الوهاب مخملياً وانتقل إلى طبقة اجتماعية أعلى مكانة وحضوراً وأصبح يعتد بنفسه وفنه.

ومن اللحظات المهمة في مسيرة الموسيقار عبد الوهاب لقاؤه بالفنانة أم كلثوم في أغنية “إنتا عمري”، من كلمات أحمد شفيق كامل عام 1964، وهذه الأغنية مسحها عبد الوهاب من كاسيت أعطاه للشاعر بعد أن سجلها بصوته. ورغم أن هذا اللقاء الذي وصف بـ”لقاء السحاب” إلا أنه كان متأخراً، ومثلما تناقلت بعض وسائل الإعلام بأنه جاء بطلب من الرئيس جمال عبدالناصر إلا أن النجاح كان مغرياً للاثنين لمواصلة العمل سوياً وقدما 10 أغنيات في 9 أعوام كان آخرها “ليلة حب” عام 1973 وهي من آخر الأغنيات في مسيرة (كوكب الشرق).

كما أن لموسيقار عبدالوهاب صاحب لحن الأغنية الخالدة “ست الحبايب” انفتاحاً كبيراً على الفنون والموسيقى في مختلف بلدان العالم، وكان البعض يصف ما يقوم به بأنه لا يخرج عن إطار “تغريب” الموسيقى الشرقية “بحجة التطوير والاندماج مع الثقافات الأخرى”، حتى إنه في إحدى المرات في حوار متلفز كان يقرأ نوتة موسيقية أمامه للألماني “فرانز شوبرت” ويعزف على العود ثم توقف فجأة وقال بانبهار: “إيه ده.. إيه ده بيألفوا إزاي.. بيعملوا إيه.. جتنا نيلة!”، وردة الفعل هذه تبين مدى الانبهار والحب المفرط من عبدالوهاب للمدارس الموسيقية الغربية أو كما وصفها البعض بأنها محاولة ذكية منه لتبرير هذا الانسياق.

بل إن المسكوت عنه في مسيرة محمد عبد الوهاب العريضة عند عشاقه أنه قام بـ”اقتباس ونسخ” ألحان ومقطوعات موسيقية غربية بالكامل، وتركيب الكلمات العربية عليها، كما يقول نقاده، وهذا الأمر وصفه مناوئوه بـ”السرقة” الواضحة التي لا تليق بقامة وقيمة مثله، كما يتضح ذلك في أغنية “يا مسافر وحدك” القريبة من أغنية المطربة اليونانية صوفيا فيمبو، التي كانت بعنوان “poso laypamai” حتى إن عبدالوهاب نفسه أجاب عن النقل والاقتباس والتأثر في حوار مع المذيعة ليلى رستم في “ماسبيرو” وقال: “أولاً نحذف من اعتبارنا النقل لأن الناقل أنا أشبّهه كالمترجم وحتى أقل من المترجم من وجهة نظري ونتكلم في الفن أنا أعتبر الفن هو تفاعل مش عزلة، وإن الفنان المتطور ما يصحش إنه يسجن نفسه جوا خواطره وإنه لازم يفتح أبوابه لكل التيارات الفنية بيلتقطها ويهضمها ويضيف عليها”.

وأضاف: “بعد كده يطلعها لنا في ثمر جديد زي الابن يأخذ من الأم والأب لكن في الواقع هو في ذاته مخلوق جديد، وزي عود الورد وعود البرسيم مثلاً الاثنين يتسقوا من مية واحدة وعايشين على أرض واحدة ومع ذلك عود الورد بيهضم غذاؤه ويطلع عود ورد والثاني عود برسيم”، واستطرد في رده: “أنا في رأيي إن الفنان لازم يتزود من كل ما حواليه، ويأخذ ده جواه ويهضمه والمهم في ذلك إنه يضيف إليه شيء من نفسه ويطلعه لنا في ثمر جديد بعد كده تسميه اقتباس نسميه تأثر نسميه مثل ما نسميه لكن ده هو الفن في نظري”.

وعن التيارات التي تأثر بها قال: “أسمع موسيقى غربية كتير جداً، لأن سماع الموسيقي للموسيقى زي الكاتب ما يقرأ يعني لما الكاتب ما يقراش لغيره ما يتفتحش لازم يقرأ وحتماً هذه القراءة حترسخ منها أشياء هو يحبها”.

كما ذكر أنه يسمع موسيقى “الجاز” فسألته المذيعة: “تسمع الخنافس؟”، في إشارة إلى فرقة البيتلز لموسيقى الروك وهي بريطانية ظهرت منتصف الستينات، فأجاب: “الخنافس؟ لا أنا أعرف الصراصير الخنافس دي”.

لعل هذا التشكيك في قدرات الملحن إما تصريحاً أو تضميناً خلف مصطلحات أخرى هو الذي دفع الموسيقار والباحث سليم سحاب للدفاع في أكثر من منبر عن عبد الوهاب لا سيما بعد إصدار “اليونسكو” عام 1979 قائمة بـ13 عملاً قالت إنه أخذها من موسيقى غربية. وكتب سحاب في المجلة الدورية الصادرة عن جامعة الدول العربية حانقاً: “منذ أن أصدرت منظمة اليونسكو بجناحها العربي في سنة 1979 لائحة تضم 13 أغنية لمحمد عبد الوهاب متهمة إياه بسرقة ألحانها من أعمال موسيقية غربية وأنا أتناول هذا الموضوع في إطاره الموسيقي فقط بالكتابة عما اقتبسه الموسيقيون الغربيون الكبار بعضهم عن بعض رجوعاً في التاريخ إلى يوهان سبستيان باخ (1685-1750) أب الموسيقى الكلاسيكية الغربية الحديثة الممتدة من القرن السابع عشر إلى أيامنا هذه”.

وتابع سحاب: “وكان الهدف من ذلك هو إبعاد تهمة السرقة عن محمد عبد الوهاب على أساس أنه مارس ما مارسه غيره من أساطين الموسيقى الغربية”.

واليونسكو هي التي منحت الملحن رياض السنباطي في 30 إبريل عام 1977 جائزة (أفضل موسيقي) في العالم.

إلا أن الهالة والجاذبية التي كانت تحيط بالموسيقار محمد عبد الوهاب هي التي أبعدته عن السقوط في فخ تلك الاقتباسات أو السرقات التي لو أومأ بها البعض تجاه فنان آخر لأخرجته من المشهد، كما أن عبد الوهاب عاش في ذهنية الجمهور فوق أي تشكيك أو احتمال بفعل تلك الكاريزما والقوة في شخصيته، والحديث عن جاذبية عبد الوهاب تحديداً تطرق لها الكاتب إحسان عبد القدوس في سياق آخر.

السابق
بعد 20 عاما على وفاتها.. الامير هاري يتلقى رسالة من والدته!
التالي
“أم كلثوم” في السعودية تحضيرا لحفلها الأول