الموسيقى الخليجية وجذب المغنّين العرب

 

منذ البدء كانت الموسيقى هي لغة الروح، ولغة الحياة، وكان لتعدد الثقافات والتقاليد التي ميزت البلدان العربية، وامتياز ثقافة بلد عن آخر أو حتى منطقة عن أخرى بخصائص بيئية وثقافية، أثر كبير بما أنتجته هذه البلاد المتعددة من إرث وثقافات موسيقية تميزت كل منها عن الأخرى بطابع أفرد كل واحدة منها عن سواها، برغم وجوه التشابه الكثيرة بين ثقافات تلك البلدان.
لكن من أين يأتي ذلك السحر الذي يسكن الغناء الخليجي؟ السحر الذي يجعلنا، بالرغم من كل الحداثة التي داهمت عالمنا، وبالرغم من ثورة التكنولوجيا التي جعلت الغناء الغربي يحتل جزءاً كبيراً من تذوقنا، ننجذب إلى موسيقى طاعنة في قدمها وعراقتها. هل يعود هذا السحر لكونها موسيقى لم تزل تسكن ذاكرتنا الجمعية القديمة ولم تزل بإيقاعها المتفرد تعيدنا إلى أنفسنا سالمين؟ هل هي موسيقى الصحراء، والرمال، وموسيقى البحارة والريح التي تسير سفنهم؟ أم أنها ذاك المشروع الإنساني العابر للحدود والقافز فوق الصراعات؟ المشروع المعبر الحقيقي عن ثقافة عميقة تسكننا، هل يعود هذا السحر لكون الغناء الخليجي لم يزل وحده المشروع المعبر عن ثقافة لم تتخرب بعدو؟ وهل هذا السحر وحده هو السبب الذي جعل أغلب المطربين العرب يتجهون نحو تقديم أغان ذات روح خليجية كاملة من خلال التمسك باللهجة الخليجية، ومن خلال الموسيقى ذات الرتم الخاص؟
لعلّ الغناء باللهجة المصرية كان الغناء الذي حظي في البدايات بالانتشار، وبالاهتمام، والذي جعل الكثير من المغنين غير المصريين يغنونه، أمثال “أسمهان” و”فريد الأطرش” وأمثال “ميادة الحناواي” و”وردة الجزائرية” و”لطيفة التونسية” و”سميرة سعيد” و”ذكرى”. لكن صعود مغنين خليجيين هامين جداً مثل “طلال مداح” و”محمد عبدو”، جعل الغناء الخليجي يفرض نفسه بقوة على الذوق العربي بشكل عام. وتحول بشكل مفاجئ إلى الغناء الأكثر شعبية في العالم العربي، وطبعاً لا يمكن أن نغفل الدور المادي الذي ساعد أيضاً على ترويج الموسيقى الخليجيّة بشكل جيد.

كل هذه العوامل مجتمعة جعلت العديد من المغنين العرب المشهورين يتجهون نحو الغناء الخليجي، بدءاً من عبد الحليم حافظ في أغنيته الجميلة “يا هلي يا هلي”، والتي جاءت مقبولة جداً للأذن الموسيقية، وخفيفة على الروح. ومروراً بالفنانة المميزة، ذكرى، التي أجادت الغناء الخليجي، وتحولت إلى واحدة من أجمل الأصوات النسائية العربية التي أدته. ولا ننسى تجربة المغنية المصرية أنغام، أيضاً بخصوصيتها، وخصوصية صوتها، إلى أن نصل إلى ما قدمته الفنانة أصالة نصري، من أغان جميلة جعلتها من أوائل الفنانات غير الخليجيّات، واللواتي قمن يتسجيل أغان ثنائية أو ما يسمّى “دويتو” مع مغنّين خليجيين مشهورين، وقد نجحت أغانيها لدرجة أن هناك من يقول إنّ الأغاني الخليجية تحديداً التي غنتها أصالة، هي أجمل أغانيها على الإطلاق، وهي اللون الأنسب لطبيعة صوتها، وهي الأغاني التي ستبقى.

 

 

مع هذا السحر والانجذاب للغناء الخليجي، ومع تميز الأصوات العربية التي أدته، وبالرغم من النجاح الذي حققته بعض تجارب المغنين غير الخليجيين في الغناء الخليجي، فلم يزل هناك الكثير من المغنين الخليجين يعتبرونه تعدياً على خصوصيتهم، ويعتبرون أن السبب المادي هو الوحيد الذي جعل المغنين غير الخليجيين يتجهون إلى الغناء الخليجي، ويقللون من قيمة هذه التجارب.

 

 

لكن الكثير من المطربين العرب رفضوا تماماً هذه الطريقة من التفكير. فالفنانة السورية أصالة نصري مثلاً تنفي السبب المادي نهائياً، وتقول إنّ غناءها الخليجي هو فقط استجابة لرغبة كبيرة بتجربة نوع من الغناء الذي شدّ انتباهها كثيراً، والذي استساغت موسيقاه، وأنها تعتبرها تجربة منطقية ومشروعة. فقد غنّى معظم المغنين العرب باللهجة المصرية ولم يكن السبب مادياً.

السابق
مواقع الرادارات المتحركة اليوم الخميس 3 أغسطس
التالي
ما الجديد؟.. تسع سنوات على رحيل سوزان تميم