مجلة بزنس كلاس
أخبار

 

استبعد تحليل بنك قطر الوطني QNB أن تتحول مشكلة البنوك الإيطالية إلى أزمة مالية عالمية مثل ما حدث في عام 2008. ذلك بعد أن انهارت أسعار أسهمها بعد قرار المملكة المتحدة الخروج من الاتحاد الأوروبي، حيث يتم الآن تداول هذه الأسهم بأقل من 50% من قيمتها في بداية عام 2016.

لكن التحليل الصادر اليوم، أكد أن المخاطر الرئيسية تتمثل في إمكانية اشتعال غضب شعبي آخر على الاتحاد الأوربي، وسيكون هذه المرة من رابع أكبر اقتصاد في المنطقة. وإذا حدث ذلك، فإن من شأنه توجيه ضربة أخرى للمشروع الأوربي، وإضافة صفحة أخرى من عدم اليقين بشأن مستقبل الاتحاد الأوربي إلى جانب قرار المملكة المتحدة بالخروج من الاتحاد، مبينا أنه “لا الاتحاد الأوربي ولا الاقتصاد العالمي باستطاعتهما مواجهة كل هذا الاضطراب في وقت قليل كهذا.”

وبينما يمكن عزو هذا الأمر جزئياً لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، إلا أن المشكلة أعمق من ذلك بعض الشيء. فالميزانيات العمومية للبنوك الايطالية مثقلة بالقروض المتعثرة، وتواجه محاولات الحكومة الإيطالية حل هذه المشكلة عن طريق رفع رسملة النظام المصرفي عقبات قانونية فرضتها الضوابط الجديدة لمنطقة اليورو.

وتوقع التحليل أن تتوصل إيطاليا وبقية منطقة اليورو الى اتفاق ينسجم بصفة عامة مع تلك الضوابط. غير أنه لا يتوقع أن تمتد مشكلة البنوك الايطالية للتأثير على الاقتصاد العالمي.

وذكر أن المشكلة الرئيسية أمام البنوك الايطالية هي ضخامة حجم القروض المتعثرة والتي تقدر بما يقرب من خمس الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. ويعزى تراكم القروض المتعثرة بصفة أساسية إلى ضعف أداء الاقتصاد الكلي. فقد كانت إيطاليا في حالة ركود لمدة ثلاث سنوات بين عامي 2012 و 2014. وكان الانتعاش اللاحق ضعيفاً للغاية، مع نمو الاقتصاد بنسبة 0.8% فقط في عام 2015.

ولذلك فإن نصيب الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي في ايطاليا لا يزال دون الذروة التي كان عليها في فترة ما قبل الأزمة، على العكس من معظم الاقتصادات المتقدمة. كما أضر ضعف بيئة الاقتصاد الكلي بالعديد من الشركات، وهو ما ترتب عليه ارتفاع سريع في القروض المتعثرة من نسبة 4.4% في عام 2007 إلى 16.0% في عام 2015، وتعدّ من أعلى النسب في أوروبا.

كما أضرت ضخامة حجم القروض المتعثرة بربحية البنوك. فقد سجلت البنوك الايطالية أربعة سنوات متتالية من الخسائر بين عامي 2011 و 2014، وحققت عوائد هزيلة في عام 2015 (بلغ العائد على حقوق المساهمين 3.1% في عام 2015). وأدت القروض المتعثرة بشكل مباشر إلى انخفاض مداخيل البنوك بسبب عجز المقترضين عن سداد ديونهم، وبشكل غير مباشر بسبب اضطرار البنوك لوضع رؤوس أموال كبيرة كمخصصات مقابل الخسائر المحتملة في القروض المتعثرة.

ولم يقتصر تأثير القروض المتعثرة على النظام المصرفي فقط، بل امتد إلى الاقتصاد الوطني ككل. فارتفاع القروض المتعثرة يتطلب بالمقابل رأسمال أكبر يتم فرضه من طرف الجهة المنظمة، مما يؤدي إلى الحد من قدرة البنوك على تقديم قروض جديدة أو الدخول في أي أنشطة إقراضية قد تلحق مزيداً من الضرر بمزانياتها العمومية. وقد ظلت محفظة القروض لدى البنوك الايطالية تتقلص منذ نهاية عام 2011، الأمر الذي أضر بالاستثمار في البلاد وساهم في الركود الذي حدث في السنوات الأخيرة وقد يعيق النمو الاقتصادي مستقبلاً.

وذكر تحليل “قطر الوطني” أنه لحل هذه المشكلة، فإن الحكومة الإيطالية تسعى إلى ضخ رؤوس أموال من أجل دعم البنوك وتفادي انهيار النظام المصرفي. غير أن الحكومة عالقة في وضع بين المطرقة والسندان. فمن جهة، تمنع الضوابط الجديدة في منطقة اليورو الحكومات من رسملة البنوك بدون فرض خسائر على حسابات الدائنين لدى البنوك. ومن جهة أخرى، يعتبر “توريط” هؤلاء الدائنين مسألة غير شعبية من الناحية السياسية حيث أن ما يقرب من نصفهم مستثمرون أفراد لا يطيقون تحمل أي خسائر. فعندما تم تنفيذ خطة لإنقاذ بعض البنوك بموجب القواعد الجديدة في نوفمبر 2015، أقدم أحد المستثمرين الأفراد في السندات على الانتحار، متسبباً في حدوث ضجة سياسية.

وتحاول إيطاليا التفاوض مع عدد من بلدان منطقة اليورو لتخفيف هذه الضوابط، غير أنها تلاقي بعض الممانعة، خصوصاً من ألمانيا. وهو أمر يمكن تفهمه، فقد تم الاتفاق على هذه الضوابط حديثاً وتعتبر إيطاليا أول منفذ محتمل لها.

علاوة على ذلك، هناك تفسير منطقي سليم وراء هذه القواعد، فهي قد وضعت من أجل منع تحول الأزمات المصرفية إلى أزمات مالية كما حدث في إيرلاندا وإسبانيا. ففي كلا البلدين، كان من تحمل كلفة إنقاذ النظام المصرفي هم دافعو الضرائب بينما ظل الدائنون في منأى. غير أن إيطاليا تمثل حالة فريدة لكون أغلب الدائنين لدى البنوك هم من فئة العملاء الأفراد، بما في ذلك العديد من المتقاعدين وليس مؤسسات استثمارية كبيرة تدرك المخاطر المحتملة.

ورجح التحليل أن تتوصل إيطاليا وباقي دول منطقة اليورو إلى حل وسط في المستقبل يتم بموجبه السماح للحكومة الإيطالية برسملة بنوكها وتحصين مستثمري السندات الأفراد نوعاً ما. بالمقابل، يتم تطبيق الضوابط على المستثمرين من المؤسسات الكبيرة.

ويشكل الحكم الذي أصدرته مؤخرا محكمة العدل الأوربية في قضية البنوك السلوفانية بأن تحميل الدائنين شطراً من المديونية ليس شرطاً مسبقاً لتلقى البنوك الدعم من الدولة سابقة إيجابية لإيطاليا. كما يقوم المحللون بمناقشة أي فجوات قانونية أخرى يمكن من خلالها حل هذه الإشكالية.

نشر رد