صنداي تايمز .. وجه قطر الشجاع

صنداي تايمز: كل ذلك بدأ في الوقت الذي تكافح فيه قطر ضد الحصار

محاصرة من قبل جيرانها، الإمارة الغنية بالغاز تظهر وجهها الشجاع في الاستعداد لاستضافة مونديال 2022

من بعيد، تبدو مزرعة “بلدنا” مثل السراب، قطعة صغيرة من سويسرا في قلب الصحراء بسهولها الخضراء والأبقار البيضاء المرقطة ترعى فيها. إنه ليس وهماً: على بعد 40 ميل من الدوحة، نرى 10 آلاف بقرة ألمانية “هولشتاين” ترعى وتتناول علفها في حظيرة يتم التحكم بتكييفها عند حدود 40 درجة مئوية في مزرعة تبلغ مساحتها 640 هكتار بتكلفة 700 مليون دولار. “نحن ننتج أكثر من 100 ألف ليتر حليب يومياً” يقول مدير المزرعة التنفيذي، بيتر فيلتفردين، الألماني الذي اعتاد زواره أن يمازحوه بلقب “شيخ الحليب”.

تنتج المزرعة التي يديرها فيلتفردين الكثير من الحليب واللبن والجبنة وقد افتتحت مطعماً وتخطط لتصدير الفائض المتوقع من إنتاجها عبر ميناء حمد البحري الذي بلغت تكاليف إنشائه 7.4 مليار دولار. يقول مدير الميناء عبدالله الخانجي: سوف نرحب دوماً بفيلتفردين ومنتجات شركات بلدنا ونصدرها إلى أي وجهة.

عبر نافذة مكتب الخانجي في الميناء، يمكن رؤية عمال يقومون ببناء واحد من ملاعب كرة القدم الثمانية الجديدة، والبلدات الجديدة والمعارض والمتاحف ومترو الأنفاق الذي يمتد على ثلاثة خطوط للترحيب بالعالم في أكبر حدث سوف يجري في منطقة الخليج: مونديال قطر لكرة القدم 2022، حيث تبلغ تكلفة البنية التحتية المتعلقة بهذا المشروع الضخم 200 مليار دولار.

تتباطئ  وتيرة العمل عادة في مثل هذا الوقت من العام في منطقة الخليج. إنه شهر رمضان المبارك. كما ان الحرارة تبلغ 40 درجة مئوية، لكن قطر تضج بالحياة. فقادة هذه البلاد يريدون تحويل بلدهم من أغنى دولة بالعالم قادرة على استيراد ما تريده، إلى أغنى بلد بالعالم قادرة على الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

لم يكن هذا خيار الدوحة الذي ذهبت له طواعية، لكنها أرغمت على السير في هذا الطريق “المفيد”. فمنذ حوالي العام، قامت أقوى ثلاث دول بالعالم العربي السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر إضافة إلى البحرين، بإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع قطر. أغلقوا حدودهم ومجالهم الجوي بوجه قطر وبوجه أعمال القطريين ومشروعاتهم. وتم قطع خطوط الإمدادات البحرية التي تصل إلى الدوحة عبر ميناء دبي ومنطقة جبل علي.

أدعت دول الحصار بأن الدوحة تمول مجموعات إسلامية متطرفة وتأوي متطرفين وتستخدم “الجزيرة” المحطة المملوكة من قبل الدولة للتدخل بشؤون تلك الدول وكذلك بأن قطر تملك علاقات قوية جداً مع إيران منافسة السعودية الإقليمية. لكن أمير قطر أنكر كل تلك الإدعاءات وقال بأن جيرانه وبكل بساطة لا يستطيعون تحمل سياسة الدوحة الخارجية المستقلة وصحافتها الحرة وهم يحسدون الدوحة ويغارون من ثروتها الطائلة.

في دولة عدد سكانها قليل جداً ولديها إنتاج غاز طبيعي بكميات هائلة – قطر تعتبر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال وتملك ثالث أكبر احتياطي في العالم- كل هذا يمنح قطر أعلى مركز في العالم بمعدل دخل الفرد بحوالي 125 ألف دولار وفق معظم المراكز الاقتصادية والأبحاث.

كان للحصار وقع دراماتيكي على قطر، حيث انخفضت الواردات 40% بين ليلة وضحاها وبدأت المواد الغذائية تختفي من المحال. وفقدت البورصة خُمس قيمتها. كما أُجبرت الخطوط الجوية القطرية على إيقاف أو إلغاء 60 رحلة يومية. وتوجب على حكومة قطر ضخ ما يقارب 40 مليار دولار من أصل 340 مليار دولار من استثمارات صندوقها السيادي لسد العجز في الاقتصادي ودعم العملة الوطنية، الريال.

قطر بالأرقام:

  • 125 ألف دولار معدل دخل الفرد سنوياً، وهو الأعلى في العالم.
  • توقعات بتحقيق نمو اقتصادي بنسبة 3% في العام الحالي 2018. بين عامي 2000 و2014 كان معدل النمو الاقتصادي نحو 10%.
  • استثمار 200 مليار دولار في البنية التحتية الخاصة بمونديال قطر 2022.

لكن وبعد عام من الحصار، فإن القادة السياسيين والاقتصادين في قطر يبدون بمزاج مرتاح ويفكرون بتوسيع نشاطاتهم. جالساً في مكتبه المزين بصور مطار حمد الدولي، أخبرنا الرئيس التنفيذي للخطوط الجوية القطرية، أكبر الباكر بأن القطرية تضيف خطوطاً ووجهات سفر جديدة إلى غايتويك وكارديف وبلفاست في المملكة المتحدة إضافة لوجهات جديدة إلى الولايات لمتحدة والبرتغال وإستونيا ومالطا والفلبين وماليزيا وفيتنام وتركيا واليونان وإسبانيا والمزيد من الوجهات الجديدة “التي يفكر بشأنها الباكر حالياً”.

سبقت كل هذه الثقة الغامرة في حديث الباكر، تصريحه قبل أسبوع بأنه لا يمكن لإمرأة أن تشغل مكانه “لأن وظيفته مليئة بالتحديات – الأمر الذي عاد واعتذر عنه اعتذاراً صادقاً.

في ميناء حمد، يضاعف الكابتن خانجي حجم المنشأة الضخمة 3 أضعاف حتى يتمكن الميناء من أن يتسع لـ 7.5 ملون حاوية نمطية بالعام الواحد وذلك بحلول عام 2021، وذلك أكثر حتماً من الـ 600 ألف حاوية التي كان الميناء القديم  (ميناء الدوحة المجاور) يتسع لها. لقد توسعت الخطوط البحرية القطرية لتصل إلى 23 وجهة جديدة وهي بشكل رئيسي إلى إيران والكويت والعراق وايونان وسلطنة عُمان والهند والصين. إن سفن شحن الغاز المسال التي تحمل هذه المادة الحيوية إلى المملكة المتحدة، تبحر الآن إلى أسواق جديدة من بينها بنغلاديش وفيتنام. يقول خانجي ” لقد قدم لنا الحصار فرصة لا تصدق”.

في مزرعة بلدنا يخطط فيلتفردين لمضاعفة حجم القطيع واستثمار 800 مليون دولار أخرى في تنويع الإنتاج من خلال استثمارها في تربية الدواجن. ومن المقرر تعويم سوق الأوراق المالية الذي تقدر قيمة عملياته بأكثر من 500 مليون دولار في بورصة الدوحة في نهاية العام. كما يقوم اللاعبون المحليون الآخرون بتطوير مزارع استزراع السمك الكبيرة ومزارع الفواكه والخضروات. وبمتابعة السلسلة الغذائية ، تقوم مؤسسة مالية محلية (صندوق قطر للتنمية) بإعداد أول صندوق أسهم خاصة لتوفير الدعم للتكنولوجيا المحلية والشركات الناشئة في مجال المستحضرات الصيدلانية.

وحسب ما يأمل وزير المالية القطري علي شريف العمادي، فإن هذا ليس سوى البداية. من مكتبه المطل على كورنيش الدوحة، يوضح بأن مناخ الأعمال في قطر بات أكثر مرونة. فالقوانين الجديدة تسمح للأجانب بشراء الممتلكات والعقارات في أي مكان من قطر، وليس فقط في المناطق الحرة، كما يقول. وهذا سوف يساعد في رفع اسعار العقارات في المناطق السكنية، تلك التي انخفضت 20% من القمة التي وصلت لها في 2016.

ومن أجل تشجيع الاستثمار الأجنبي، يمكن للأجانب الآن أن يباشروا أعمالهم في قطر دون الحاجة لشريك من المواطنين. كما قامت السلطات بتبسيط إجراءات منح تأشيرة الدخول وإعفاء مواطني عدد كبير من الدول منها من أجل إغراء مزيد من السياح بالقدوم إلى الدوحة، وذلك بعد أن انخفض عدد زوار قطر بمقدار الربع وصولاً إلى 2.3 مليون زائر.

وفيما أثر استخدام 40 مليار دولار أمريكي لدعم العملة القطرية على بعض الاستثمارات الأجنبية للدوحة، يصر العمادي على أن ذلك لن يؤثر على الاستثمارات القطرية المخطط لها في المملكة المتحدة. لقد تعهدت الدوحة باستثمار 5 مليار جنيه إسترليني في بريطانيا خلال من خمسة إلى ثلاثة سنوات لتضاف إلى مجموع الاستثمارات القطرية هناك والبالغة نحو 40 مليار جنيه قيمة أصول تتضمن عقارات شهيرة في لندن وحصة في الشركة الأم للخطوط الجوية البريطانية وفي مطار هيثرو وبنك باركليز.

وعلى الرغم من الكلمات الجريئة، إلا أن المشهد ليس وردياً بشكل كامل. فنمو الاقتصاد القطري بحوالي 3% هذا العام يجعلها تبدو فعلياً بحال أفضل من جيرانها الذين يحاصرونها، إلا أن هذا الرقم بعيد كل البعد عن معدل نموها الاقتصاد القطري سنوياً والذي تجاوز 10% خلال الفترة من عام 2000 حتى 2014.

وعلى الرغم من الوجهات الجديدة الواعدة، سوف تكشف الخطوط القطرية عن “خسائر كبيرة” في معطيات أرقام نتائجها لعام 2017-2018 في الشهر القادم، نتيجة الحصار والمقاطعة. وربما يكون هناك حاجة من مالك الخطوط القطرية، الحكومة القطرية لضخ مزيد من الأموال حسبما يقول الباكر.

وبالرغم من النشاط الدبلوماسي للولايات المتحدة الأمريكية على خط الأزمة، فإن قيود الحصار تزداد صرامة.  فقد سنت حكومات السعودية والإمارات أحكاماً تجرم التعاطف مع قطر بعقوبة حبس تصل إلى 15 عاماً. من جانبها منعت قطر كل بضائع دول الحصار من دخول أسواقها. وكما يوضح الأمر أكبر الباكر ” نحن لا نرى ضوءاً في نهاية النفق.”

كل هذا يترك غيمة سوداء كبيرة تخيم على المنطقة. يفترض بنهائيات كاس العالم لكرة القدم أن تضع قطر على لائحة الدول الأكثر شهرة بالعالم وأن “نقدم العالم لبلادنا ونعزز سمعتها وثقافتها، كما أوضح الأمر الباكر. لقد قطعت إمارة قطر اشواطاً غير عادية في الاستعداد لكأس العالم، كما أسلفنا في مقال اليوم، حتى تحرص على تأكيد علو كعبها في هذا الاستحقاق العالمي بجدارة، لكن البطولة قد تتحول إلى شيء مثير للغاية إذا استمر الحصار. وقد ترفض أي دولة من دول الحصار قد تتمكن من التأهل لنهائيات مونديال قطر 2022 المشاركة في النهائيات. قد لا نرى محمد صلاح يلعب مع منتخب مصر في الدوحة، على سبيل المثال.

المشجعون الغربيون الذين خططوا للسفر من دبي لحصور المباريات المفترضة في قطر والعودة منها إلى دبي قد لا يكلفون أنفسهم عناء الذهاب بالأصل إذا لم يتمكنوا من السفر بشكل مباشر بين الدوحة ودبي. معظم فنادق الدوحة هادئة جداً بسبب قلة النزلاء سلفاً رغم أن عدد الغرف يتوقع أن يتضاعف بين الآن وعام 2022 موعد تنظيم نهائيات مونديال قطر.

ربما تقوم قطر الآن برسم مسار مستدام في الوقت الحالي ، ولكن في وقت ما خلال السنوات الأربع القادمة ، فإن قادتها – وقادة دول الحصار التي تعاني من عدم قدرتها على التجارة مع أغنى دولة في المنطقة – يعرفون أنهم يجب أن يبدأوا لعبة مختلفة. ليبقى السؤال هو: متى تبدأ هذه اللعبة الجديدة؟

 

ترجمة: سليمان حسون

عن صنداي تايمز

 

 

 

Default Comments

اترك تعليقاً

Show Buttons
Hide Buttons