الاكتفاء الذاتي نقطة البدء لتحقيق الطموح

من المنتج الواحد إلى المنتج التفاعلي المتنوع

الاقتصاد القطري يفتتح عاماً من التجدد ويفتح حدود الخريطة 

موديز للتصنيف الإئتماني: فائض كبير تشهده موازنة قطر لعام 2018 

التطورات العميقة هي نتيجة حتمية للقرارات الاقتصادية الاستراتيجية

منير سيف: 

الاعتماد على الذات في الصناعة والزراعة يصنف في خانة القرارات الشجاعة وهو خطوة أساسية على طريق التحول الاقتصادي الكامل

بزنس كلاس – رشا أبو خالد

في تقريرها الأخير الذي استفاضت بالحديث به عن التوقعات الإيجابية لنمو الاقتصاد في دولة قطر، أوضحت وكالة موديز للتصنيف الإئتماني بأن موازنة قطر لعام 2018 سوف تشهد فائضاً هامشياً كبيراً. وساق في تقرير لها اسباب الفائض المتوقع معللة الأمر بأنه سيكون نتيجة حتمية لجملة من الظروف المختلفة من بينها السياسات وما ينتج عنها من قرارات اقتصادية استراتيجية تعمل الدوحة على المضي قدماً فيها بخطوات واقعية وصولاً إلى خارطة طريق اقتصادية تختلف جذرياً عما هي عليه الآن، أي الانتقال من اقتصاد المنتج الواحد إلى خانة الاقتصاد التفاعلي المبني على التنوع وذلك في إطار رؤية قطر الوطنية 2030.

ومن أبرز الملامح لهذا التوجه ليس فقط تصريحات مسؤولي البلد الخليجي الذي يستحق لقب “المجتهد” بجدارة، بل المشاريع الموجودة على الأرض والتي تظهر بوضوح توجه القطريين نحو بناء قاعدة اقتصادية قوية تقوم على مبدأ تنوع الإنتاج الاقتصادي بشكل عام مع التركيز في الفترة الحالية، ربما نتيجة ظروف الحصار التي بات الجميع مدركا لها، على قطاع الصناعات الغذائية والأمن الغذائي إضافة للصناعات الدوائية وتحقيق الاكتفاء الذاتي في هذه القطاعات الحيوية .

الاكتفاء الذاتي.. ضرورة وأولوية

فقد تمكّنت قطر، خلال الأشهر الستة الماضية، من تحقيق تقدم في معدل الاكتفاء الذاتي وتطوير صناعتها المحلية بنسب جيدة، في محاولة جادة لتحقيق طموحاتها الاقتصادية وتعزيز نموّها وتوسيع مصادر مواردها، خاصة الغذائية منها، لمواجهة الحصار الذي فرضته عليها عدة دول خليجية، منذ منتصف العام الجاري كسبب مباشر وآني. فيما بنفس الوقت يعتبر هذا التوجه الجاد استراتيجياً لبناء قاعدة قوية تؤمن احتياجات البلاد المتزايدة في هذا المجال الحيوي الذي لا يجب أن يكون عرضة بأي حال لأي نوع من المخاطر لاسيما طبيعة العلاقات مع الدول الأخرى بغض النظر عن وجود أزمة من عدمها. ولوضع الأمر بشكل أوضح، القطريون بدأوا العمل على قاعدة أن الأمن الغذائي يجب أن يتحقق حتى يصبح خارج أي حسابات في العلاقة مع أي دولة بالعالم بغض النظر عن طبيعة تلك العلاقة.

وحددت الدوحة 2018 موعداً لتحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاعات واسعة من الصناعات، خاصة الغذائية والدوائية. ووضعت خطة كاملة في موازنتها للسنة المقبلة لدعم الصناعات المحلية والقطاع الخاص. كما اعتمد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر، في 12 ديسمبر / كانون الأول، قانون الموازنة العامة للدولة عن السنة المالية 2018، وتوقعت وزارة المالية وصول إجمالي قيمة النفقات على المشاريع الرئيسية إلى 93 مليار ريال (25.5 مليار دولار).

وقبل ذلك في 5 ديسمبر/كانون الأول أيضاً، أعلن وزير المالية علي شريف العمادي، أن موازنة قطر لعام 2018 ستركّز على تطوير الصناعات المحلية والقطاع الخاص لتحقيق الاكتفاء الذاتي ومواجهة الحصار. وقال الوزير العمادي حينها في تصريحات صحفية إن الحكومة ستستخدم الدعم لتطوير بعض القطاعات الاقتصادية وتعزيز النموّ، متوقعاً أن تتمكن الدوحة من تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات الغذائية، بحلول الرابع من يونيو المقبل، قبيل السنوية الأولى للحصار الجائر.

اكتفاء”.. حالة استباقية

ولم تنتظر قطر حلول العام 2018 لتبدأ تطبيق خطتها لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بل بدأت منذ اندلاع الأزمة الخليجية وفرض الحصار عليها، في 5 يونيو الماضي، مساعيها للاستغناء عن منتجات الدول المُحاصِرة، التي كانت تشكّل نحو 90% من واردات الدوحة الغذائية. وبعد نحو شهر على الأزمة، أعلنت شركة “حصاد” الغذائية التابعة لجهاز قطر للاستثمار (الصندوق السيادي)، في يوليو/تموز الماضي، إطلاق مبادرة “اكتفاء”، التي تستهدف المزارع المحلية غير المنتجة في البلاد.

وذكر بيان صادر عن “حصاد”، التي تعمل في الاستثمار في القطاع الزراعي والغذائي داخل قطر وخارجها، أن المبادرة تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي المحلي. وأوضحت أنها ستوفّر الدعم التقني للمزارعين وشراء إنتاجهم السنوي من الخضراوات والفاكهة، ثم تسويقها وبيعها في السوق المحلية، مستهدفة إنتاج 5 آلاف طن من المحاصيل الزراعية، ضمن المرحلة الأولى. وحصاد الغذائية إحدى شركات جهاز قطر للاستثمار، تهدف إلى دعم الاقتصاد القطري، وتملك استثمارات في قطر وأستراليا وباكستان وعمان.

غرفة قطر.. الحصان الأسود

بدورها، لعبت غرفة قطر التجارية والصناعية دور الحصان الأسود في قلب موازين المشهد الغذائي المتأزم في بداية الأزمة حين أعلنت في يوليو/تموز الماضي، اكتمال الترتيبات لإنشاء أكبر مشروع زراعي في البلاد بأحدث تكنولوجيا. وقال عضو مجلس إدارة غرفة قطر، أحمد العبدلي إن المشروع سيكون الأول في العالم بمجال الأمن الغذائي، والإنتاج الزراعي، والصناعات الزراعية، والمنتجات الحيوانية والألبان واللحوم البيضاء والحمراء، والأسماك. كما أشار إلى أن المشروع سيحقق مخزوناً استراتيجيّاً لقطر، إضافة إلى تدوير النفايات المرتبطة بالمدينة الزراعية والمدينة اللوجستية، والتي ستقوم على الطاقة المتجددة.

وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أعلنت الدوحة إطلاق أول مشاريع القطاع الخاص لاستزراع الأسماك، بطاقة استيعابية تناهز ألفي طن سنوياً. وذكرت وكالة الأنباء القطرية الرسمية أن المشروع يأتي ضمن مشاريع مماثلة في مختلف القطاعات تخطط قطر لإطلاقها؛ سعياً للوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي من الغذاء والمنتجات الزراعية والحيوانية والصناعية.

ترتيب الأولويات

وحول التوجه القطري لتحقيق الاكتفاء الذاتي، يقول الخبير الاقتصادي منير سيف إن الاعتماد على الذات في الصناعة والزراعة يعتبر رأس أولويات الدول التي تبحث عن استقلال ذاتي وامتلاك زمام أمرها بيدها، مضيفاً بأن قرار الدوحة في هذا السياق يصنف في خانة القرارات الشجاعة باعتباره نقلة نوعية كبيرة في طبيعة المشهد الاقتصادي القطري وخطوة أساسية على طريق التحول الاقتصادي الكامل نحو التنويع في المنتجات المحلية القابلة للتصدير بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي خصوصاً مع تركيز قطر على النوعية الأفضل في كافة المجالات والمنتجات.

ورأى سيف بأن القرار القطري إنما كان ناتجاً طبيعياً عن العقلية الوطنية الحكيمة التي تقود البلاد؛ فالدوحة تعدّ من الدول العربية القليلة التي تسعى جاهدة إلى تطوير التعليم والبحث العلمي، مشيراً بنفس الوقت إلى أن الحصار منح قطر العزيمة والهمة العالية للانخراط بهذه الخطوة الجبارة التي تدعم اقتصادها المحلي وتجعله أكثر استقلالاً، اقتداءً ببعض الدول التي عانت من الحصار في الماضي والحاضر وتمكّنت من الاستغناء عن الخارج.

وحول الآليات المطلوبة لتحقيق الخطوة، يقول سيف إن صنع اقتصاد قوي وبتقنيات حديثة وتدريب أعضاء فنيين في البلاد يعتبر من أهم متطلّبات نجاح هذا القرار، وهو أمر لا غنى عنه لبناء اقتصاد وطني مستقل. كما أنه يجب حشد الموارد المادية والبشرية والتركيز على القطاعات الأكثر حيوية. ولدى قطر القدرة على تطويرها بشكل أسرع وأضمن؛ كقطاع الصناعات التحويلية، وأيضاً على قطاع الزراعة، فهي الأكثر أهمية في عملية الاكتفاء الذاتي.

كما أنه باستطاعة الدوحة أن تجلب أحدث التقنيات في عملية الزراعة والرعي والتقطير، وتركيزها على هذا القطاع سيكون له أهمية قصوى في الاكتفاء الذاتي للغذاء، ما سيخلق لها قدرة على تحمّل أي حصار كان. إضافة إلى حقيقة أن امتلاك قطر مصادر ضخمة مصادر من المواد الخام والوقود يزيد من فرص نجاح تنفيذ خططها الاقتصادية.

لقد باتت قطر اليوم وبعد نحو 6 اشهر من الحصار قادرة على تأمين 40% من المنتجات الحيوية محلياً بعد أن كانت تعتمد على تأمين 90% من تلك المنتجات اعتماداً على دول الحصار. وهذه النسبة تتزايد يومياً لصالح المنتج المحلي وفق الخطة التي وضعتها الدوحة لتحقيق اكتفاء ذاتي في كافة المواد الغذائية بنسبة 70% بحلول 2023 وتحقيق نسبة مئوية كاملة في 2030.

تفاؤل غير مشوب بالحذر

إن هذا العمل الدؤوب الذي حول قطر برمتها إلى خلية نحل نشيطة هو أحد أهم أسباب مذكرة موديز المتفائلة بأداء الاقتصاد القطري الذي أخذ طريقاً واضحاً نحو تحويل قطر إلى دولة منتجة وإسقاط كلمة استهلاك فقط من القاموس القطري. ولعل هذا أيضاً ما حملته سطور صاحب السمو وهو يهنئى المواطنين بذكرى اليوم الوطني حين قال في أول تغريدة له على حسابه الجيد في توتير “في يوم قطر الوطني نتذكر تضحيات الآباء والأجداد من أجل عزة الوطن وسؤدده، ونشيد بصلابة شعب قطر في الدفاع عن استقلال وطنه ومنجزاته ومبادئه، ونؤكد العزم على مواصلة طريق البناء والتنمية والكرامة، وكل عام وأنتم بخير”… إن لاكتفاء الذاتي هو أول الغيث، وكذلك أول خطوة على درب الألف ميل الذي سيقود قطر إلى حيث يجب أن تبقى دوما.. على القمة.

 

Default Comments

اترك تعليقاً

Show Buttons
Hide Buttons