الطاقة النظيفة خيار باتجاه واحد لمستقبل قطر

المصادر التقليدية زائلة لا محالة والشمس بئر بلا قرار

متطلبات الحداثة وضمانات المستقبل دافعان قويان لتحييد مصادر الطاقة التقليدية

المساهمة في الحد من الكوارث وحماية الطبيعة هدف أعلى

قطر من أوائل دول العالم التي رفعت شعار الطاقة النظيفة

 

بزنس كلاس – باسل لحام

تواصل دولة قطر مسيرة التحول نحو اعتماد أكبر على مصادر الطاقة النظيفة 100% وصولاً إلى توليد خُمس الطاقة الإجمالية المنتجة في البلاد من مصادر متجددة، على غرار طاقة الشمس والرياح، وذلك بحلول عام 2024. ومن أجل تحقيق هذا الهدف السامي بذلت المؤسسات القطرية سواء الحكومية أو الخاصة من فعاليات اقتصادية، ولا زالت تبذل جهوداً مميزة في صناعة الطاقة الشمسية، والتي تستخدم كطاقة بديلة لتقليل الاعتماد على الطاقة الهيدروكربونية، في حالات الطوارئ والطلب العالي على الكهرباء، وإمداد الطاقة لمنشآت وملاعب مونديال قطر 2022.

وتكتسب الطاقة النظيفة في العالم ودولة قطر على حد سواء أهمية متزايدة نتيجة عدة أسباب تشترك بصفة اساسية بأنها جميعاً أسباب حيوية. حيث أن الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية بشكل متزايد في نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة أدى لتفاقم مشكلة الاحتباس الحراري وارتفاع حرارة كوكب الأرض بشكل عام ما يهدد مستقبل الحياة برمتها لجميع الكائنات الحية بما فيها الإنسان. وما الظواهر التي نشاهدها ونعيشها هذه الأيام من مناطق جفاف قاتل وطويل في بعض مناطق الكوكب مقابل فيضانات مدمرة واعاصير قاتلة في أماكن أخرى، إلا مقدمات لتحول كبير قد يودي بجميع أشكال الحياة على الأرض. كل ذلك نتيجة الاستخدام المفرط والعشوائي والاعتماد بشكل أكبر على أشكال الطاقة غير المتجددة التي تسبب ضرراً هائلاً على البيئة وتدمر الحياة بشكل بطيء.

مصادر تقليدية زائلة

من جانب آخر، بات الجميع مدركاً لحقيقة أن مصادر الطاقة التقليدية الحالية المعتمدة بشكل رئيسي على النفط والغاز في طريقها للزوال إن عاجلاً أم آجلاً، حيث تذهب النظريات المتفائلة إلى أن هذه المصادر ستبقى حتى نهاية القرن الحالي مصدراً ثابتاً ورئيسياً للطاقة، فيما تقول نظريات أخرى بأن على العالم أن يصل إلى حالة فطام ذاتي عن هذه المصادر لأن نفاذها بات وشيكاً. وهذا سبب أدعى للبحث عن مصادر طاقة جديدة قبل الوصول إلى معضلة نفاذ الطاقة الحالية.

ومن هذا المنطلق، ورغم أنه لا تزال مشاريع الطاقة المتجددة في مراحلها الأولى، وكل خيارات الطاقة البديلة مفتوحة في البلاد، كانت قطر من أوائل دول العالم التي بادرت إلى تبني سياسات استراتيجية تقوم على مبدأ إلغاء الاعتماد الكلي على مصادر الطاقة المستنفذة والعمل على بناء مشروعات ضخمة لتوليد الطاقة المتجددة والنظيفة والصدقة للبيئة بنفس الوقت. وعليه فقد أطلقت الدوحة منذ سنوات طويلة عدة مشاريع طموحة في هذا السياق كان آخرها قيام دولة قطر في هذا العام 2017 بإطلاق  شركة “سراج للطاقة” بهدف توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية، حيث تعود ملكية هذه الشركة إلى كل من قطر للبترول وشركة الكهرباء والماء القطرية “كهرماء”، برأسمال أولي قدره 500 مليون دولار وبقدرة 1000 ميغاوات من الكهرباء، إذ يقوم المشروع على إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية بتكلفة أقل من استخدام الغاز والنفط.

سراج والطاقة الشمسية

وتتطلع “سراج” لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية بتكلفة أقل من التكلفة الطبيعية والتي تتراوح ما بين 6 إلى 7 سنتات أميركية للكيلو واط من الكهرباء. وتعتزم “كهرماء” من خلال قسم تكنولوجيات الطاقة المتجددة، استخدام تكنولوجيات الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء وتحلية الماء تماشياً مع رؤية قطر الوطنية 2030، كما أن “كهرماء” بالتعاون مع لجنة المشـاريع والإرث ستنفذ مشـاريع للطاقة الشمسية لتوليد 100 ميغاوات لإمداد ملاعب المونديال بالكهرباء. وبحسب المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء” كهرماء”، فإن المرحلة الأولى من مشروع إنشاء محطة “الدحيل” للطاقة الشمسية، شارفت على الانتهاء، وسينتج المشروع الذي تبلغ مساحته 100 ألف متر مربع، 10 ميغاوات من الطاقة خلال المرحلة الأولى، وتعتبر المحطة واحدة من المحطات التي تقوم بإنشائها “كهرماء” في مختلف أنحاء البلاد لتحقيق الهدف المتمثل بإنتاج 200 ميغاوات من الطاقة الشمسية في السنوات الست القادمة، أي ما يكفي لتزويد 66 ألف منزل بالطاقة.

كما أعلنت شركة الكهرباء والماء القطرية مؤخراً، عن تخصيص أرض لمشروع “الطاقة الشمسية” بمنطقة الخرسعة، الذي من المقرر أن تنتج المرحلة الأولى منه ما يقارب 500 إلى 1000 ميغاواط من الكهرباء، وتبلغ تكلفته نحو 500 مليون دولار لأول مرحلة كرأس مال مستثمر وذلك في حالة إنتاج 500 ميغاواط.

الجدير بالذكر أن الطاقة الشمسية تعد أحد أهم حلول الطاقة النظيفة البديلة على سطح الأرض حتى الآن، وهي إحدى التقنيات التي تعمل دولة قطر على استخدامها حالياً على أرض الواقع، حيث أن السلطات بدأت بالعمل على تطبيقها في إنارة الشوارع والحدائق العامة وتوليد الطاقة في الأبراج ذات المسطحات الزجاجية الكبيرة، و كذلك فِي أنظمة الري وتأمين الكهرباء اللازمة للمزارع النائية. مع العلام أن متوسط الإشراق اليومي للشمس في قطر، بحسب الدراسات، يبلغ نحو تسع ساعات ونصف الساعة، مع غطاء متدنّ من السحب، ومساحات متوفرة، الأمر الذي يعزز إقامة المشاريع الصغيرة ومتوسطة الحجم والكبرى للطاقة الشمسية في البلاد.

أبحاث واكتشافات 

وبالتوازي مع عمل الفعاليات القطرية المختلفة على مشاريع كثيرة وضخمة للوصول إلى مصادر طاقة نظيفة، تقوم المؤسسات العلمية والبحيثة في قطر بدور مواز في البحث عن حلول علمية والتوصل إلى كل جديد في ذات السياق، حيث نجح قبل عامين، باحثون في مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع في فك رموز مادة “بيروفسكايت” تسهل عملية توليد الطاقة الشمسية بأقل كلفة، بما يساعد بشكل مؤثر، في التخطيط الأمثل لاستغلال موارد الطاقة النظيفة على نطاق واسع. وأشار علماء الطاقة الشمسية في عدة بحوث قاموا بإجراءها ، إلى أن الشمس تمد بلدان الخليج العربي بما يوازي 1.5 مليون برميل من النفط سنوياً لكل كيلومتر مربع واحد، لكن أشاروا إلى أن هذه الطاقة الهائلة غير قابلة للاستغلال الأمثل في الوقت الراهن، وذلك بسبب عوامل عدة، أهمها التكلفة المرتفعة لتجميعها. وأوضحوا أن هذه العوامل تسببت بالتأثير سلباً على برنامج دولة قطر الطموح، الذي يرمي إلى توليد خُمس الطاقة الإجمالية المنتجة في البلاد من مصادر متجددة، على غرار طاقة الشمس والرياح، وذلك بحلول عام 2024.

وتظهر أهمية الاكتشاف الثوري الذي حققه علماء معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة، وهو أحد المراكز البحثية التابعة لمؤسسة قطر، والذي يلعب دوراً رائداً في مجال استدامة موارد الطاقة والمياه في دول مجلس التعاون الخليجي، في  تقليص الاعتماد على الموارد الكربونية، والتوسع في استخدام مصادر الطاقة البديلة والمتجددة.

وتعاون معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة في هذه الأبحاث مع مركز أبحاث الهندسة الوراثية والمواد المتقدمة، الذي تموله مؤسسة العلوم في دولة إيرلندا، واستضافتها كلية ترينيتي- دبلن ومركز أبحاث تكيف الهياكل النانوية والجهائز النانوية.

وآثار هذا الاكتشاف حماساً كبيراً لدى العلماء، وذلك لكون مادة البيروفسكايت زهيدة الكلفة، وأكثر قدرة على جمع الطاقة من مادة السيليكون المستخدمة تقليدياً في صنع الخلايا الشمسية.

وخلال ثلاث سنوات من هذا الاكتشاف، حظيت هذه المادة بشعبية طاغية في الأوساط العلمية والصناعية، خاصة بعدما أثبتت البحوث أن نسبة كفاءة تشغيلها تفوق 20%، وهي نسبة تطلبت مادة السيليكون عقوداً عديدة لبلوغها. وحول مستقبل استخدم مادة البيروفسكايت، يقول البروفسور سانفيتو، الأستاذ بمركز أبحاث الهندسة الوراثية والمواد المتقدمة، وأستاذ نظرية المواد المكثفة بمدرسة ترينيتي للفيزياء: “في كل ساعة، تصدر الشمس من الطاقة ما يوازي استهلاك كوكب الأرض بأكمله خلال عام كامل.. ولا شك بأن جمع مثل هذه الطاقة الوفيرة بطريقة ذات كفاءة وبكلفة معقولة يعني تحقيق مستقبل أخضر ومستدام للجنس البشري بأسره”.

ذهبية إكسبو أستانا 2017

وليس مصادفة أن يفوز جناح قطر في “معرض إكسبو أستانا 2017” في كازخستان بالمركز الأول والجائزة الذهبية من بين أكثر من 100 جناح للدول المشاركة في المعرض إكسبو العالمي بعد تبنيه بشكل رئيسي  عرض مشاريع قطر المستقبلية في مجال الطاقة البديلة والمتجددة، حيث قالت وزارة الاقتصاد والتجارة القطرية إن أبرز مقومات فوز قطر بالجائزة جاءت من خلال الدمج بين المشروعات والتجارب الناجحة في مجال الطاقات المستقبلية البديلة واستراتيجية تنويع مصادر الطاقة وفقا لرؤية قطر الوطنية 2030. واختصر رئيس اللجنة المنظمة للجناح القطري ناصر محمد المهندي النجاح القطري في هذا الإطار بالقول إن دولة قطر شاركت تحت شعار “آفاق الطاقة الجديدة في سرد قصة تروي تطور إنجازات دولة قطر في مجال إنتاج الطاقة حتى الوصول إلى الطاقة النظيفة، وعرض هذه القصة أمام ملايين الزوار الذي طافوا بالمعرض متوقفين طويلاً في ردهات الجناح القطري لأنه كان يخاطب قلق البشرية في البحث عن مصدر طاقة نظيف وآمن.

 

Default Comments

اترك تعليقاً

Show Buttons
Hide Buttons