الاقتصاد القطري الحديث قلب هجوم في مونديال التنمية

تحولات عميقة وشبكة علاقات متقاطعة مع القوى الكبرى

القطاعان الرسمي والخاص شريكان متحالفان وجسدان برأس واحد

الدوحة نقطة ربط مفصلية بين العواصم الاقتصادية الهامة

بزنس كلاس – اسلام شاكر

فيما يتجه العالم نحو إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي الدولي برمته مع تراجع اقتصادات ضخمة وتآكل موادها وأسواقها مقابل صعود اقتصادات ضخمة أيضاً لتحل مكانها تدريجياً، تسعى دول قطر أن تواكب تلك التطورات من خلال نسج شبكة علاقات اقتصادية شاملة تجعلها بموقع الشراكة مع القوى الاقتصادية المهيمنة عالمياً كما تصب هذه الشراكات في انعكاس صحيح على تحول قطر إلى دولة تتميز بتنوع مواردها الاقتصادية لتقفز خارج حفرة الاقتصاد الذي يعتمد على منتج واحد متمثل بمصادر الطاقة.

حراك فاعل

وبناء عليه فقد كان واضحاً في الآونة الأخيرة ومن خلال مراقبة بسيطة لنشاط القطاع الاقتصادي القطري بشقيه الرسمي والخاص نحو توسيع شبكة التعاون الاقتصادي العميق ليخاطب من خلال علاقات صحيحة مع القوى الاقتصادية الكبرى في العالم فكان أن شاهدنا طيفاً كبيراُ ومهما من صنّاع السياسة الاقتصادية القطرية يشاركون بفعالية في اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن تلاها اجتماعات مهمة مع شركاء قطر الأمريكيين ثم بتوجه قطري نحو كندا الاقتصاد القوي في أمريكا الشمالية من خلال مؤسسة قطرية واحدة على الأقل هي بنك الدوحة كما أشرنا في مقال سابق.

وحتى تتابع قطر هذه الاستراتيجية المتمثلة بتنويع موارد الاقتصاد، الهدف النهائي والاستراتيجي الأهم لرؤية قطر الوطنية 2030، كان لا بد لها من متابعة ومواكبة ما يقوم به جهاز قطر للاستثمار الذي يتحرك بناء على الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية للدوحة، من توسيع دائرة استثماراتها وإدخال عناصر مهمة إلى محفظته الاستثمارية من إثنين من عمالقة الاقتصاد دون الولايات المتحدة الأمريكية، وهما روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية.

باتجاهات مختلفة

وهنا لا بد من طرح سؤال مبرر قد يقول صاحبه، قد يكون من المفهوم أن تتوجه قطر لتعزيز وتعميق تعاونها الاقتصادي مع عملاق اقتصادي بحجم الصين التي انتقلت خلال فترة قياسية من دولة تثقل كاهلها الأعباء والديون والقيود الاقتصادية إلى عملاق اقتصادي تمكن بفترة قياسية نسبياً من الإطاحة بكبرى الاقتصاديات العالمية من على سلم الأوائل ليحتل قبل سنوات مكان الابان كثاني أكبر اقتصاد في العالم مع توقعات بأن يزيح الولايات المتحدة الأمريكية عن قمة الهرم الاقتصادي العالمي بعد فترة ليست بطويلة كما يتوقع كثير من المختصين بالشأن الاقتصادي العالمي. لكن لماذا التوجه القطري إلى روسيا الاتحادية وهي ليست بذلك الحجم الاقتصادي “الضخم” إن صح التعبير. والجواب على هكذا تساؤل بسيط بدرجة بساطة السؤال. تعتبر روسيا واحدة من عمالقة الإنتاج النفطي بالعالم وهي تتنافس مع السعودية دوماً على إنتاج الكمية الأكبر من براميل النفط يومياً رغم أنها من خارج “أوبك”، وبيد موسكو من جانب آخر، مفتاح عنفة الغاز التي تمد أوربا الغربية كلها تقريباً بالغاز، أهم مصادر الطاقة وأنظفها بالاستخدام التجاري حتى يومنا هذا. كما أن روسيا قد حققت في السنوات الأخيرة تقدماً مخيفاً في مجال التطور العسكري وأصبحت معداتها الحربية المتفوقة سلعة مطلوبة بشدة في كافة أرجاء العالم لا سيما الشرق الأوسط نظراً لارتفاع حرارة الصراع  في مناطق واسعة منه ما خلق هاجساً لدى جميع دوله تقريباً بضرورة الوصول إلى مستويات متقدمة من التسلح لدرء المخاطر الجيوسياسية المتحركة في المنطقة دون بوصلة. وحتى تفتح موسكو أبواب مخازن سلاحها لدولة ما لا بد لتلك الدول أن تغري روسيا بما يتناسب من عروض اقتصادية مع حاجتها للسلاح الروسي خاصة منظومات الأسلحة الصاروخية والمقاتلات الروسية الشهيرة.

تواصل مع موسكو

وبغض النظر عن قصة التعاون العسكري، فقد عملت الدوحة منذ البداية على تطوير علاقة اقتصادية ندية مع موسكو من منطلق الحاجة المتبادلة بين الدولتين وكونهما تعتبران أهم مصدرين للغاز الطبيعي في العالم. إضافة إلى حقيقة  أن  تطوير العلاقة الاقتصادية مع روسيا من خلال استثمارات قطرية ضخمة في قطاعات حيوية فيها كما فعلت العام الماضي بالاستحواذ على حصة مهمة من “روسنفت” يمثل استثماراً رابحاً للدوحة على المديين القصير والمتوسط، إلا أن العلاقة المتكاملة اقتصادياً وسياسياً، مع شريك كروسيا تجلب كثير من المنافع لدولة قطر سواء بتعزيز موقعها الجيوسياسي على الخارطة الدولية أو موقعها الاقتصادي لما يمكن أن تقدمه روسيا من مساعدة قيمة للاقتصاد القطري لا سيما في مجال التطوير الزراعي وما لهذا من دور اساسي في تنويع الاقتصاد القطري.

نداء روسيا

وفي آخر أطر تعزيز البعد الاقتصادي للعلاقة مع موسكو شاركت قطر بوفد من العيار الثقيل برئاسة وزير المالية علي شريف العمادي في مؤتمر “نداء روسيا” لمناقشة وتوحيد الرؤية حول المخاطر التي تحيد بالاقتصاد العالمي ووسائل احتواء تلك المخاطر، حيث أشار العمادي في  كلمته بالمؤتمر الذي عقد في العاصمة الروسية موسكو بحضور وفود من أكثر من 60 دولة، إلى توقعات صندوق النقد الدولي باستمرار التعافي في الاقتصاد العالمي وتحقيق نمو يصل إلى 3.7% خلال عام 2018، محذرا من أن هناك مخاطر تحيط بالنمو الاقتصادي العالمي مما يتطلب التعاون والتنسيق بين مختلف الجهات العالمية والحكومية والمؤسسات الخاصة لمواجهتها.

كما عقد العمادي عدد جيد من اللقاءات مع عدد من كبار المسؤولين في الشركات الروسية، لمناقشة مجموعة من فرص التعاون الاقتصادي والمالي المشترك بما يخدم المصالح المشتركة. وتناولت اللقاءات أيضاً جهود دولة قطر لزيادة دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية، وبخاصة تسهيل الاستثمارات في القطاع الصناعي لتعزيز الإنتاج المحلي وتطوير بيئة الأعمال في دولة قطر من خلال توفير الإطار التشريعي والقوانين والإجراءات اللازمة لتسهيل الاستثمارات المحلية والأجنبية.

الجدير بالذكر أن تنظيم مؤتمر “نداء روسيا” السنوي يعق على عاتق مجموعة/ في تي بي بنك/ المصرفية والتي تعتبر من أكبر المؤسسات المالية الروسية. ويهدف المؤتمر إلى مناقشة أحدث التطورات في الاقتصاد العالمي وتوقعات النمو الاقتصادي ومواجهة المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى سبل تطوير التعاون بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص. كما يطرح المؤتمر فرص واسعة للاستثمار في مختلف القطاعات الاقتصادية في روسيا.

العلاقة مع الصين.. قصة نجاح

أما على المقلب الصيني في إدارة دفة الاقتصاد القطري فقد شهدت العلاقات بين البلدين جولات عديدة على مر سنوات طويلة  من التعاون لا سيما الشق الاقتصادي منه وما معرض “صنع في الصين” الذي تستضيفه الدوحة سنوياً سوى إحدى تجليات ذلك التعاون مع التوسع التدريجي للحضور الاقتصادي الصيني في مختلف مفاصل المشهد القطري من آلات المصانع الثقيلة إلى المواد الغذائية والأدوات والأقمشة ذات النوعية المتميزة والمنتشرة في كافة مراكز البيع في الدولة.

هذا من جانب الحضور الصيني في قطر، أما لجهة الاستثمار القطري القوي والكبير نسبياً في الاقتصاد الصيني القوي والصاعد بثبات على مر سنوات عديدة، فحدث ولا حرج في هذا الإطار، حيث تقول وكالة بلومبرغ إنه إذا كنت في هونغ كونغ أو اليابان أو كوريا الجنوبية أو تايوان وأضأت أنوار الغرفة فإن هناك احتمالا كبيرا لأن تكون هذه الكهرباء مولدة من الغاز القطري المستورد، فقد اشترت هذه الأسواق الآسيوية ومعها الصين نصف صادرات الغاز المسال القطري في عام 2015.

وقال مسؤولون في جهاز قطر للاستثمار عام 2014 إن الجهاز ينوي استثمار ما يصل إلى عشرين مليار دولار في آسيا على مدى ست سنوات وتوسيع مكاتبه في بكين ونيودلهي. ويملك الجهاز حصة بنحو 13% في البنك الزراعي الصيني تقدر قيمتها بـ1.7 مليار دولار، وهو من أكبر بنوك الصين.

مركز قطر للمال في هونج كونج

وكان آخر نشاط اقتصادي للدوحة في الساحة الصينية، استعرض ممثلون عن هيئة مركز قطر للمال، مع عدد من المستثمرين والشركات والكيانات التجارية في هونج كونج الراغبة في توسيع نطاق أعمالها التجارية إلى قطر، الآليات والمزايا التي يوفرها مركز قطر للمال للشركات الأجنبية.

وأوضح بيان صادر عن مركز قطر للمال أن الاجتماعات التي أجريت على هامش زيارة قام بها ممثلو هيئة مركز قطر للمال مؤخرا إلى هونج كونج، شملت لقاءات مع الكيانات التجارية في هونج كونج بما فيها غرفة التجارة العامة الصينية في هونج كونج، ومجلس هونج كونج لتنمية التجارة، وغرفة هونج كونج العامة للتجارة ومؤسسة “استثمر في هونج كونج”.

وقالت سعادة الشيخة العنود بنت حمد آل ثاني، المدير التنفيذي لتطوير الأعمال في هيئة مركز قطر للمال ،وفقا للبيان، إن هناك اهتماما ملحوظا من الشركات في هونج كونج لتوسيع نطاق الأعمال في قطر، مشيرة إلى أنه تم خلال الزيارة استعراض المزايا التي يوفرها مركز قطر للمال، ومناقشة كيفية تعميق وتوثيق سبل التعاون وبناء علاقات عمل بين مركز قطر للمال والشركات التجارية والاستثمارية الحكومية في هونج كونج.

جدير بالذكر أن دولة قطر تحافظ على علاقات مزدهرة بين كل من هونج كونج والصين، حيث تواصل علاقات التبادل التجاري نموها في ظل تطلع الشركات الصينية إلى توسيع أعمالها إلى منطقة الشرق الأوسط، كما تعتبر الاجتماعات الأخيرة التي أجراها ممثلو مركز قطر للمال في هونج كونج جزء من برنامج متكامل أطلقه مركز قطر للمال لتعزيز مكانة قطر كوجهة مربحة للشركات الأجنبية الراغبة في توسيع أعمالها التجارية إلى منطقة الشرق الأوسط.

الإرادة أولاً

إن الدوحة بنسجها شبكة العلاقات الاقتصادية القوية مع اللاعبين الكبار والصاعدين في المشهد الاقتصادي الدولي، إنما تسعى ليس فقط لتنويع اقتصادها وموارده بحلول 2030، بل تتمثل اقتصادياً الدور السياسي الذي لطالما لعبته في السنوات العشرين الأخيرة باعتبارها واحدة من أهم مراكز القرار في العالم ومحطة أساسية في الخريطة الجيوسياسية الدولية بغض النظر عن الحجم لأن الإرادة والرؤية والواضحة والاستقلالية هي من تصنع النجاح وليس الحجم كما يعتقد بعض جيران قطر.

 

Default Comments

اترك تعليقاً

Show Buttons
Hide Buttons