معرض “صنع في الصين”.. شراكة بنكهة الانتصار

نموذج تعاون استثنائي والدوحة وبكين خطان يلتقيان

مهمة ذات دلالات وترجمة حرفية لمرتبة قطر الأولى عربياً

المعرض يعمق العلاقات الاستراتيجية والبضائع تحصيل حاصل

بكين: الدوحة شريك قادر على صناعة النجاح

 

بزنس كلاس – اسلام شاكر

تستعد الدوحة لاستضافة معرض “صنع في الصين” بنسخته الثالثة في 16 نوفمبر / تشرين الثاني المقبل بمشاركة أكثر من 100 شركة صينية في المعرض الذي سيمتد على مدار أربعة أيام من المتوقع أن تحفل بتوقيع العديد من العقود والاتفاقيات بين الشركات الصينية ونظيراتها من قطر.

ويأتي المعرض الذي تتولى غرفة قطر تنظيمه ليحمل رمزية مهمة في توقيت مميز حيث تمر دولة قطر بظروف الحصار والمقاطعة من قبل ثلاثة دول خليجية هي السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين إضافة إلى مصر، ليؤدي رسالة مهمة للغاية مفادها بأن ذلك الحصار المزعوم والذي قد فشل بكل ما للكلمة من معنى قد أصبح ليس خلف ظهر الدوحة وحدها بل خلف ظهر شركاءها التجاريين الرئيسيين وفي مقدمتهم جمهورية الصين الشعبية. كما يأتي المعرض ليؤكد بأن البيئة الاستثمارية في قطر تشكل عنصر جذب هام جداً للفعاليات الاقتصادية الصينية وبكين بشكل عام حيث ترى الأخيرة في الدوحة البوابة الرئيسية لطريق الحرير الجديد إلى الشرق الأوسط . ومن هذا المنطلق اندفعت أكثر من 100 من كبريات الشركات الصينية للمشاركة بقوة في هذه التظاهرة الاقتصادية الهامة باعتبارها منصة رئيسية لإطلاق جملة من المشاريع المشتركة بين بكين والدوحة.

بيئة استثمارية مثالية

ولعل هذا الاندفاع الصيني نحو السوق القطرية والاستثمار في قطر يأتي ترجمة لحلول دولة قطر في المرتبة الأولى عربياً والـ20 عالمياً في مؤشر البيئة الاقتصادية وهو أحد المؤشرات الاقتصادية الواقعة تحت مظلة تقرير التنافسية العالمية2017 والذي أظهر تفوق دولة قطر على 112 دولة حول العالم واحتلالها المرتبة الـ25 عالميا من أصل 137 دولة حول العالم. كما احتلت قطر المركز الأول عربيا والـ21 عالميا في مؤشر القدرة على الابتكار وهو أحد المؤشرات الفرعية أيضا ضمن تقرير التنافسية.

وهذا ما دفع غرفة قطر على لسان رئيسها الشيخ خليفة بن جاسم بن محمد آل ثاني، للقول بأن معرض “صنع في الصين” يشهد إقبالاً واسعاً على المشاركة به من قبل الشركات الصينية، حيث ستسعى تلك الشركات إلى، وتمتلك رغبة كبيرة أيضاً في، عرض منتجاتها وآخر ابتكاراتها أمام المستثمرين القطريين، وذلك على الرغم من ظروف الحصار الجائر على دولة قطر.  وهذا سوف يؤدي بشكل منطقي أن يسفر المعرض في دورته الثالثة عن إقامة تحالفات تجارية واستثمارية تمكن الشركات الصينية من دخول السوق القطرية، خاصة بعد النجاح الذي حققه المعرض في الدورتين السابقتين، حيث تم تنفيذ العديد من العقود والتحالفات بين شركات قطرية وصينية، لإقامة مشروعات يستفيد منها الاقتصاد القطري كما تفعل الشركات الصينية على حد سواء.

إن الصين تنظر إلى قطر من زاوية اقتصادية بحتة باعتبار الدوحة شريك تجاري واقتصادي ناجح وقادر على صنع النجاح، ليس فقط من بوابة الاستثمارات القطرية الضخمة لدولة قطر في الصين عبر جهاز قطر للاستثمار، بل من خلال الاستثمارات الصينية في الداخل القطري في قطاعات مختلفة لاسيما بعد الحصار وما أدى إليه من خروج بعض المنافسين المحتملين للشركات الصينية من السوق القطرية تحديداً شركات كانت على علاقة مباشرة مع دول رباعي الحصار . وايضاً في ظل تفاهم كبير على المستوى السياسي بين الدوحة وبكين ما يمهد الطريق لتعاون اقتصادي أوسع واكثر عمقاً بين قطر وثاني أكبر اقتصاد عالمي.

نموذج تعاون متميز

ولا يعتبر معرض “صنع في الصين” مجرد ترويج لبضائع صينية، بل يتضمن وهذه هي النقطة التي يجب التركيز عليها، منصة صحيحة لاستطلاع فرص التعاون بين الشركات الصينية ونظيراتها القطرية. ولعل تجربة قوة لخويا بالتعاون مع شركة صينية ليست عزفاً منفرداً بل تعاون في إطار استراتيجية أوسع لفتح آفاق العمل والمشاريع بين البلدين كما يهدف المعرض بصيغة أهدافه العليا. فعلى سبيل المثال، وقعت قوة “لخويا” وشركة “ناكتيك” المحدودة الصينية اتفاقية تعاون، تمهيدا لاتفاقية لاحقة يوقعها الطرفان تقوم بموجبها الشركة الصينية بأخذ براءة الاختراع لعدد من الأجهزة التي ابتكرتها “لخويا” ومنها أجهزة خاصة بأمن وسلامة عمال الإنشاءات.

وتغطي الاتفاقية المرتقبة، إلى جانب أجهزة حماية العمال، أجهزة أخرى منها مستشعر العين الذكي وجهاز الكشف التلقائي عن المتفجرات والمخدرات وجهاز ناكتيك للمسح المقطعي والسياج الأمني الذكي. وتقضي الاتفاقية بإمكانية تصنيع الشركة الصينية للسترة الذكية الخاصة بالعمال وللأجهزة الأخرى التي جرى تطويرها وذلك بهدف تحقيق قواعد حقوق الملكية الفكرية وكل ما يتعلق بها من خطوات وإجراءات تمت خلال مراحل العمل والتطوير.

بكين الدوحة.. خطان يلتقيان

ولم تصل قطر والصين إلى هذا المستوى الذي يستحق أن نطلق عليه “تعاون اقتصادي استراتيجي” إلا كترجمة لتوافق سياسي بين قيادتي البلدين وذلك نتيجة توجه القيادة القطرية إلى بكين اقتصادياً نتيجة قراءة جيدة للمشهد الاقتصادي الدولي والصعود الصيني الثابت والمستمر على سلم الدول المتقدمة اقتصادياً لتصبح خلال فترة قصيرة نسبياً ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد إزاحة العملاق الياباني من هذا المركز والتطلع بنفس الوقت لأخذ موقع الصدارة من الولايات المتحدة الأمريكية بعد سنوات ليست ببعيدة كما يتوقع معظم خبراء المال والاقتصاد في العالم. لذلك كانت قطر من أوائل الدول التي اجتهدت لتطوير وتعميق تعاونها الاقتصادي مع الصيني والوصول به إلى المرحلة “الاستراتيجية” لتضمن لنفسها مشاركة كبرى اقتصاديات العالم بشكل فاعل ومفيد. وفي هذا الإطار، أشاد سعادة لي تشن، سفير جمهورية الصين في الدوحة، بمستوى العلاقات الثنائية بين قطر والصين، قائلا إنها وصلت لمرحلة التعاون الاستراتيجي، خاصة بعد الزيارة التي قام بها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، إلى الصين في العام 2014 والتي توجت حينها بتوقيع اتفاقية لتأسيس صندوق استثماري بقيمة 10 مليارات دولار بين البلدين.

وحقق التعاون بين الصين وقطر نتائج مثمرة في مجالات التجارة والطاقة والاستثمارات والتعاون المالي، فقد ازدادت التجارة بين البلدين بشكل سريع، ورغم تراجع الاقتصاد العالمي وانخفاض سعر النفط والغاز، إلا أن الصين حافظت على مكانتها كرابع أكبر شريك تجاري لقطر وثاني أكبر مصدر لوارداتها وتعد قطر ثاني أكبر مُصدر للغاز الطبيعي المسال للصين. وفي النصف الأول من العام الجاري، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 3.3 مليار دولار أمريكي بزيادة 19.8% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وشهد التعاون الاستثماري بين الصين وقطر تطورا ملحوظا، حيث بلغ حجم الاستثمار الصيني المباشر في قطر حوالي 403 ملايين دولار حتى عام 2016، بينما اتفق البلدان على تخصيص صندوق للاستثمار بمبلغ 10 مليارات دولار.

مبادرة “الحزام والطريق”

كما حقق التعاون بين البلدين في مجال البنية التحتية أيضا نتائج مثمرة، حيث يوجد في الوقت الحالي مجموعة كبيرة من الشركات الصينية في البنية التحتية تعمل في قطر، وبعضها تشارك في مشاريع استراتيجية هامة في قطر كميناء حمد ومشاريع مونديال 2022، وأصبح التعاون المالي بين الصين وقطر نقطة مضيئة لامعة في علاقاتهما، فقد وقع الجانبان على اتفاقية لتبادل العملات بقيمة 35 مليار يوان صيني، وقبل ثلاث سنوات تم افتتاح مركز مقاصة وتسوية عملة اليوان الصيني في الدوحة وهو أول مركز في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا بل إن قطر هي عضو مؤسس في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي أسس بدعوة من الصين وهي من أوائل الدول التي أيدت وشاركت بنشاط في مبادرة “الحزام والطريق” التي طرحتها الصين. وخلال زيارة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر إلى الصين في عام 2014م حين تم التوقيع على مذكرة التفاهم بين الجانبين حول التشارك لبناء “الحزام والطريق”.

يشار إلى أن معرض “صنع في الصين” الذي يقام في مركز الدوحة للمعارض والمؤتمرات الشهر المقبل، يهدف إلى تعزيز التعاون بين أصحاب الأعمال من البلدين، والاستفادة من الخبرة الصينية في مجال الصناعات المختلفة، إلى جانب تبادل الخبرات وخلق صفقات تجارية بين الشركات في البلدين. الأمر الذي يلاقي ترحيباً قطرياً على كافة المستويات الرسمية والشعبية ممثلاً باستعداد غرفة قطر لتقديم كافة أشكال المساعدة من أجل جلب الاستثمارات الصينية إلى قطر، خصوصاً في القطاعات التي تقدم قيمة مضافة للاقتصاد القطري. حيث ستساعد الغرفة الشركات الصينية في الحصول على الموافقات والإجراءات اللازمة من أجل تسهيل عملية دخول استثماراتها إلى قطر، كما ستواصل عقد المؤتمرات والمعارض التي من شأنها أن تسهم في التعريف بما توفره السوق القطرية من امتيازات للمستثمرين، سعياً لجلب الاستثمارات الأجنبية إلى القطاعات المستهدفة في الدولة.

معرض “صنع في قطر” في بكين

إن زيادة حجم التبادل التجاري بين قطر والصين  في السنوات الأخيرة على 20 مليار ريال قطري، وفتح الدوحة أبوابها أمام شركات الصين لعرض منتجاتها واستطلاع فرص الاستثمار من خلال معرض كثيرة على رأسها “صنع في الصين” إنما يأتي في إطار سعي قطري دؤوب لفتح آفاق اقتصادية واعدة من خلال الشراكة مع واحد من أهم الاقتصاديات الصاعدة في العالم بما يضمن لقطر شريكاً اقتصادياً قوياً يساعد الاقتصاد القطري على تحقيق خططه الاستراتيجية سواء بالخبرة الصينية أو الاستثمار في قطر من أجل الوصول إلى واحد من أهم أهداف السياسة الاقتصادية القطرية المتمثلة بتنويع مصادر الدخل في إطار تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030. لهذا فأن  معرض “صنع في الصين” بالدوحة ليس سوى مقدمة على أهميتها ليوم يصبح فيه اقتصاد قطر متنوع وكبير بما يكفي ليكون قادراً على إقامة معرض “صنع في قطر” في قلب العاصمة الصينية بكين. وتكون قطر ليس فقط بوابة طريق الحرير في الشرق الأوسط بل صاحبة طريق خاص بها في اقتصاد الدولي عموماً.  لعل هذا اليوم لن يكون بعيداً.

 

Default Comments

اترك تعليقاً

Show Buttons
Hide Buttons