منتجات قطر غير النفطية بديل شرعي للاقتصاد التقليدي

الصادرات مؤشر شديد الوضوح وعنوان رئيسي لكتاب الاقتصاد

امتحان الحصار كرّس قوة قطر وقوّى ظهرها

البقاء في المقدمة هدف لا تنازل عنه للاقتصاديين القطريين

بزنس كلاس – ميادة أبو خالد

مما لا شك فيه أن مؤشر الصادرات في أي بلد يكون العنوان العريض الذي يمكن قراءة قوة ومتانة الاقتصاد منه. وفي الحديث عن الخليج وما حدث من هزة اقتصادية قوية فيه نتيجة زلزال الأزمة الخليجية، نستطيع بسهولة أن نرى أن  دعائم الاقتصاد القطري متينة بما يكفي للنهوض بمسؤولية النمو والتطور سيما بعد اختبار تلك القدرات وأيضاً السياسات الاقتصادية لدولة قطر بشكل ” قاس” تمثل بحصار جائر كان يهدف بشكل اساسي إلى إحداث شلل كامل في الاقتصاد القطري. ونجحت الدوحة بامتياز في امتحان الحصار لا بل دفعها ذلك الأمر إلى الإصرار وتوليد عزيمة كبيرة بين أبناءها للمضي قدماً في خططها الاقتصادية الاستراتيجية وتسريع وتيرة التنفيذ على مختلف الجبهات الاقتصادية ليس كرد فعل انفعالي على أمر طارئ كالحصار، بل بشكل عقلاني ومنطقي يحسب كل خطوة بهدوء وضيعها ضمن إطار خطة أكبر يسير على إيقاعها الاقتصاد القطري ككل.

تنويع وتنوع

ومن هنا، كان لا بد للاقتصاد الوطني لدولة قطر من أن يتحرك سريعاً على جبهة تنويع الموارد الاقتصادية والخلاص من كابوس اقتصاد السلعة باستغلال كل الإمكانيات والوفورات المتراكمة والاستثمارات القوية التي جنتها قطر بعد استثمار فوائض عائدات تصدير الغاز المسال وتحويلها إلى مشاريع منتجة رافدة للاقتصاد القطري في مجالات متعددة. وبدأت ثمار هذا الغرس الناجح تؤتي نتائجها المرجوة مع التحويل التدريجي لكن الثابت للخط البياني للنمو الاقتصادي القطري باتجاه تصاعدي لكن بعيداً عن عائدات حوامل الطاقة وعلى رأسها الغاز المسال. وبات جلياً من خلال أرقام الإحصاءات الشهرية والسنوية التي تعلن سواء المؤسسات الحكومية القطرية أو تلك الدولية بأن الدوحة كانت السباقة بين دول الخليج لتعلم درس عدم الاعتماد على اقتصاد السلعة الواحدة والاستفادة من أخطاء الآخرين في هذا المجال لاسيما بعض الدول الخليجية الكبيرة، والاتجاه بالاقتصاد القطري العميق نحو إنتاج متعدد الخانات والأنواع  بحيث نصل فعلاً إلى هدف طموح بتحقيق رؤية قطر الوطنية 2030 على أسس واقعية وليس ضرباً من شطحات الخيال كما يحدث في بعض البلدان.

موارد واجتهادات

لهذا عندما نقرأ كل شهر بأن صادرات قطر غير النفطية تسجل نمواً متزايداً وبوتيرة ثابتة لا تعرف التأرجح، نكون متأكدين بأننا نسير في الاتجاه الصحيح. وان هدف الوصول إلى اقتصاد حيوي متنوع الروافد والموارد  أمر ممكن إذا ما توفرت الإرادة اللازمة للأمر والخطة الذكية الواضحة المعالم كما في قصة النجاح الاقتصادي القطري.

وفي دليل على ما تقدم، يظهر آخر إحصاء تم نشره مؤخراً بأن صادرات قطر غير النفطية قد قفزت بنحو 35% خلال شهر أغسطس الماضي أي بعد نحو شهرين من الحصار الجائر. هذا بلغة الأرقام  يشير بوضوح أن قطر ماضية في سياسة اقتصادية واضحة تصب في خانة خطة استراتيجية أكبر بغض النظر عن الأزمة  وتداعياتها التي لم نكد نشعر بها نتيجة قوة الاقتصاد ومتانة السكة التي يسير عليها. فقد ارتفع إجمالي قيمة الصادرات غير النفطية لدولة قطر خلال شهر أغسطس 2017 بنسبة 35.2% ليبلغ 1.796 مليار ريال ، مقارنة بـ 1.328 مليار ريال خلال شهر يوليو 2017، وذلك حسب التقرير الشهري الذي تصدره غرفة قطر حول التجارة الخارجية للقطاع الخاص. وأشار التقرير الذي تعده إدارة البحوث والدراسات وإدارة شؤون المنتسبين بالغرفة من واقع شهادات المنشأ، إلى أن قيمة الصادرات غير النفطية للدولة ارتفعت أيضا بنسبة 20.3% مقارنة بشهر أغسطس من العام الماضي، حيث وصلت قيمته في ذلك الشهر 1.493 مليار ريال. وذكر التقرير أنه تم إصدار 2819 شهادة منشأ خلال شهر أغسطس الماضي، من بينها 2556 شهادة نموذج عام، و124 شهادة موحدة لدول مجلس التعاون (صناعية)، و3 شهادات موحدة لدول مجلس التعاون (حيوانية)، و114 شهادة منشأ عربية، و20 شهادة منشأ للأفضليات، وشهادتي منشأ لسنغافورة. وكما هو الحال في شهر يوليو الماضي فقد حافظت كل من سلطنة عمان وهولندا وتركيا على مراكز الصدارة الثلاثة الأولى في قائمة الدول المستقبلة للصادرات القطرية غير النفطية خلال شهر أغسطس 2017، حيث جاءت سلطنة عمان في المركز الأول بإجمالي صادرات بلغت قيمتها حوالي 708.98 مليون ريال وهو ما يمثل حوالي 45%  من إجمالي قيمة الصادرات القطرية غير النفطية خلال الشهر المذكور، تلتها مملكة هولندا بإجمالي صادرات بلغت قيمتها 169.11 مليون ريال وهو ما يمثل 9.4% من إجمالي قيمة الصادرات، وفي المركز الثالث جاءت تركيا بإجمالي صادرات بلغت 145.78 مليون ريال وبنسبة بلغت 8.1% من إجمالي الصادرات. وجاءت الهند في المركز الرابع بقيمة صادرات بلغت 126.32 مليون ريال وبنسبة 7 بالمائة، وفي المركز الخامس ألمانيا بصادرات بلغت قيمتها 112.69 مليون ريال وبنسبة 6.3 بالمائة من إجمالي قيمة الصادرات غير النفطية خلال أغسطس 2017، بعد ذلك جاءت كل من الفلبين، كوريا الجنوبية، هونج كونج، الصين، وسنغافورة، بقيم ونسب متفاوتة على التوالي.

كيف نبقى بالمقدمة؟

الأرقام الموجودة أعلاه تشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى وجود طفرة قوية وكبيرة في صادرات قطر غير النفطية  كما أشار السيد صالح بن حمد الشرقي مدير عام غرفة قطر للتجارة والصناعة في معرض تعليقه على بيانات الصادرات القطرية غير النفطية خلال شهر أغسطس 2017. وبالطبع تلك الصادرات ما كانت لتكون لولا وقوف رجال أعمال ومستثمرين قطريين على رأس شركات وطنية كثيرة من القطاعين العام والخاص حيث تمكنت تلك الشركات من أن تتجاوز كل العقبات التي حاولت دول الحصار وضعها أمام وصول منتجاتها إلى أسواق العالم. وجاء نشاطها الكثيف الذي ظهرت نتائجه بمؤشر الصادرات بمثابة الرد العملي على تلك السلوكيات التعسفية لدول الحصار وأزلامها ما اعتبر تدياً بالنسبة للدوحة فعمل الجميع بروح الفريق الواحد من أجل قطر أولاً وهذا ما حدا بحجم الصادرات إلى الارتفاع ووصول قيمتها خلال شهر أغسطس المنصرم إلى ثاني أعلى معدل شهري لها خلال الفترة السابقة من العام 2017.

الأمر الذي أوضحت بشأنه غرفة قطر على لسان مديرها بالقول أن الارتفاع الذي تم في حجم الصادرات القطرية الشهر الماضي يعد ثمرة للجهود الكبيرة التي بذلت على كافة الأصعدة والمستويات ونتيجة عمل كثير من المصانع القطرية بالطاقة الإنتاجية الكاملة لسد أي ثغرة في السوق المحلية أولاً ولدعم الموقف الاقتصاد للبلاد كمحصلة من خلال تصدير المنتج القطري رغم أن هذا الأمر ما زال في بواكيره الأولى، إلا أنها بواكير مبشرة بإنتاج قطري متميز على درجة عالية من الإتقان وبقدرة تنافسية عالية.

الجدير بالذكر أن البيانات الإحصائية للصادرات القطرية خلال شهر أغسطس تأتي بعد ثلاثة أشهر من الحصار الجائر على البلاد، والذي كان له بعض الأثر على قيمة الصادرات خلال شهر يونيو الماضي، ولكن ما انتهجته دولة قطر من حكمة وتخطيط سليم واستغلال لعلاقات خارجية متينة ومتميزة، فضلا عن الجهود الكبيرة التي بذلت على كافة المستويات، أدت جميعها إلى الحد من آثار الحصار والأهم التقدم خطوة مهمة في درب بناء اقتصاد متنوع وقوي ومنافس بعيداً عن البقاء في محبس السلعة الواحدة وتحكم كثير من العوامل والظروف بسوقها وبالتالي الإطباق على خناق أي اقتصاد متعلق بها. لذلك عملت قطر وتعمل بشكل ممنهج على تحويل اقتصادها نحو أوسع مجال للتنوع ليخاطب كل الحاجات التي يطلبها المجتمع القطري وفق خطة توسع هادئة لكن ثابتة. وكنتيجة حسابية بسيطة ومنطقية  لهذا التوجه شهدت قيمة صادرات القطاع الخاص خلال شهر يوليو تجاوزا لآثار الحصار مع بداية عودتها إلى المعدلات التي كانت عليها قبل حدوثه، وهذا قبل أن تشهد في شهر أغسطس الفائت قفزة كبيرة فاقت معظم أشهر السنة التي سبقت الحصار. وقد توجهت الصادرات القطرية إلى 58 دولة خلال شهر أغسطس مقارنة بـ59 دولة خلال شهر يوليو الماضي، منها 13 دولة عربية بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي، و11 دولة أوروبية بما فيها تركيا، و17 دول آسيوية عدا الدول العربية، و13 دولة أفريقية عدا الدول العربية ودولتان من أمريكا الشمالية ودولة واحدة من أمريكا الجنوبية، بالإضافة إلى أستراليا. وبالمقارنة مع الشهر السابق يوليو 2017 نجد أن الدول التي استقبلت الصادرات القطرية غير النفطية خلال شهر أغسطس انخفضت بدولة واحدة على الرغم من ارتفاع القيمة الإجمالية للصادرات خلال هذا الشهر مقارنة بالشهر السابق.

إحصاءات ومقارنات

وفي جانب يتعلق بمستوى الكتل والمجموعات، ارتفعت مجموعة الدول العربية التي استقبلت الصادرات القطرية من 12 دولة في يوليو إلى 13 دولة في أغسطس، بينما انخفضت مجموعة الدول الأوروبية بما فيها تركيا من 15 دولة في يوليو إلى 11 دولة في أغسطس ، وكذلك الدول الأفريقية عدا الدول العربية من 14 دول في يوليو إلى 13 دولة في أغسطس، بينما زاد عدد الدول الآسيوية عدا الدول العربية من 15 دولة في يوليو إلى 17 دولة في أغسطس، بينما ظلت دول أمريكا الشمالية كما هي دولتان في يوليو ودولتان في أغسطس، بالإضافة إلى ظهور أستراليا على قائمة الدول المستقبلة للصادرات القطرية خلال الشهر الماضي والتي كانت قد غابت عن القائمة في شهر يوليو الذي قبله.ويظهر من خلال التقرير صعود مجموعة دول مجلس التعاون إلى مستوى الصدارة واستحواذها على المركز الأول من حيث الكتل والمجموعات الاقتصادية المستقبلة للصادرات القطرية خلال شهر أغسطس 2017 حيث استوعبت أسواقها ما نسبته 40.38 بالمائة من إجمالي الصادرات القطرية غير النفطية خلال الشهر المذكور بإجمالي صادرات بلغت قيمتها 708.177 مليون ريال كان معظمها إلى سلطنة عمان. وفي المرتبة الثانية جاءت مجموعة الدول الآسيوية عدا الدول العربية باستيعابها لصادرات بلغت 492.205 مليون ريال وتمثل ما نسبته 27.41 بالمائة من إجمالي الصادرات القطرية غير النفطية خلال شهر أغسطس 2017، ثم جاءت مجموعة الدول الأوروبية بما فيها تركيا في المرتبة الثالثة باستقبالها ما قيمته 471.008 مليون ريال من الصادرات القطرية خلال الشهر المذكور وهو ما يعادل 26.23 بالمائة من إجمالي الصادرات خلال الشهر المذكور. وفي المرتبة الرابعة حلت مجموعة الدول العربية عدا دول مجلس التعاون حيث استقبلت أسواقها حوالي 1.11 بالمائة من الصادرات القطرية غير النفطية وبقيمة بلغت 79.455 مليون ريال، ثم أتت بعد ذلك كل من مجموعة الدول الأفريقية عدا الدول العربية، ودول أمريكا الشمالية، وأستراليا وأخيرا دول أمريكا الجنوبية بنسب بلغت 1.11 بالمائة، 0.37 بالمائة، 0.06 بالمائة و0.02 بالمائة على التوالي. وبلغ إجمالي قيمة الصادرات غير النفطية خلال الثمانية أشهر الأولى من العام 2017م ما قيمته 11.7 مليار ريال.

قطر أولاً

إن اتساع مجال الأسواق المحتملة للمنتج القطري تحتم علينا بالإضافة إلى كل ما سبق الاعتماد بشكل أكبر على العنصر البشري المؤهل بشكل عال لتحقيق كفاءة إنتاج و سلعة قادرة على المنافسة، إضافة إلى الاستمرار بسياسة اقتصادية توفر كل سبل التشجيع والدعم للمستثمرين بالقطاعات غير النفطية لاسيما السلعية منها لأنها هي من ستفتح مزيداً من الأبواب أمام المنتج القطري إلى أسواق العالم وبالتالي ستمضي الدوحة بخطوات واثقة على أرض صلبة من سياسة اقتصادية عميقة تقوم على مبدأ التنويع المتجانس لمصادر الدخل من أجل البقاء في المقدمة دوماً لأن قطر لا يجب أن تأتي إلا.. أولاً.

 

Default Comments

اترك تعليقاً

Show Buttons
Hide Buttons