واشنطن بوست: جيل الأمراء الشباب يغير الخارطة السياسية في الخليج

واشنطن – وكالات – بزنس كلاس:

نشرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية تقريراً مطولاً أفردته لبحث أسباب الأزمة الخليجة التي اندلعت منذ أكثر من شهرين لتعزو ما يحدث إلى كونه جزء من عملية كبيرة تجري في المنطقة لنقل السلطة في دول الخليج إلى الجيل التالي.

وحاولت الدراسات الغربية الحديثة عن سياسات الشرق الأوسط التوصل إلى الأسباب الحقيقية وراء شنّ السعودية والإمارات هجومهما الدبلوماسي على جارتهما قطر. وفي حين عزت العديد منها الأمر إلى مساعي تأمين أركان الأنظمة الخليجية القائمة، تُظهر الأحداث الأخيرة ارتباط آليات اتخاذ القرار بهدفٍ آخر: تأمين توارث السلطة. في تقريره التحليلي بصحيفة «واشنطن بوست»، يستعرض راسل لوكاس كيف هزَّ القادة الشباب في المنطقة ركائز السياسة الخارجية لمجلس التعاون الخليجي.

بن سلمان.. الصعود إلى القمة

بعد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز في 2015، خلفه أخوه الملك سلمان بن عبد العزيز البالغ من العمر 81 عامًا، وعند تلك النقطة اضطربت آليات انتقال السلطة السعودية، التي كانت في المعتاد مبهمة تغيب عنها الأحداث الساخنة. ألغى الملك سلمان خطط أخيه لانتقال السلطة، فعزل الأخ الأصغر مقرن بن عبد العزيز من ولاية العهد، ثمَّ تبع ذلك عزل محمد بن نايف، ابن أخي سلمان الأكبر.

في حين صعد نجم محمد بن سلمان، البالغ من العمر 31 عامًا، ليتولى منصب وزير الدفاع ومنه إلى ولاية العهد. يُشير لوكاس إلى أن بن سلمان يُعدُّ مهندس التدخل في حرب اليمن الأهلية بقيادة السعودية، وأن حصار قطر على ما يبدو كان بمبادرة منه، وبالطبع الخطط الاقتصادية الكُبرى المعروفة باسم «رؤية السعودية 2030». هذه السياسات الخارجية والداخلية تستهدف خدمة أجندة الأمير الصغير وهز ركائز السياسة السعودية.

ولم يكُن صعود بن سلمان خاليًا من التوترات. تناولت التقارير كواليس الساعات الأخيرة لمحمد بن نايف في ولاية العهد، وكيف أزيح عنها بالاحتجاز والإجبار على التنازل. ومع الشكوك المحيطة بصحة الملك سلمان، ربَّما يعتلي ابنه الثلاثيني عرش المملكة بعد وفاته قريبًا.

بن زايد.. الرجل الأهم في الإمارات

داعمٌ آخر لحصار قطر، هو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد الإمارات. يتولَّى محمد البالغ من العمر 56 عامًا أغلب مهام القيادة بتفويضٍ من أخيه الأكبر، خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات وحاكم إمارة أبو ظبي.

ولا يخفى على مراقبي الشرق الأوسط دور محمد بن زايد بالغ الأهمية في تشكيل السياسات الداخلية والخارجية لأبو ظبي، وبالتبعية باقي إمارات الاتحاد، خاصةً بعد تدخل أبو ظبي لإنقاذ دبي ماليًا من أزمة 2008، ما أدَّى إلى التهميش الواضح لحاكمها، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، من قيادة الاتحاد.

بن حمد.. العدو المشترك

تحالف «الشيخان الشابَّان» بن سلمان وبن زايد في وجه عدوهما المشترك، الأمير القطري تميم بن حمد آل ثان، البالغ من العمر 37 عامًا.

النزاع بين السعودية والإمارات وبين قطر تضرب جذوره في توازنات القوى الجيوسياسية الإقليمية. فقد نجحت حكومات الخليج في الخروج بسلام من موجة الاحتجاجات الشعبية التي ضربت المنطقة في 2011، عن طريق «الاستخدام الحصيف للمقدرات الاقتصادية والتاريخية» على حد قول لوكاس.

لكن اختلفت استجابة الجانبين لأصداء الربيع العربي والنفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة. دعمت قطر الأصوات الجديدة مثل شبكة قنوات الجزيرة التليفزيونية المتمركزة في الدوحة، ولاعبين سياسيين أبرزهم جماعة الإخوان المسلمين في مصر. وفي المقابل، تحركت السعودية والإمارات لتأمين الأنظمة الاستبدادية. وفي ذلك تنافست قطر مع خصومها الخليجيين، في عدة ساحاتٍ منها البحرين ومصر وليبيا وسوريا.

في 2013، توصلت قطر مع دول الخليج إلى عددٍ من الاتفاقات في محاولة لتخفيف حدة التوترات. وبعدها بأشهر تنازل الأمير حمد عن السلطة لصالح ابنه تميم، في قرار بدا مرتبطًا بهذه الاتفاقات. إلا أن النفوذ المستمر المحسوس لحمَد والد تميم أسهم في اشتعال الأزمة الحالية.

كيف ستؤثر صراعات الخليج على انتقال السلطة في المنطقة

إلا أن لوكاس يُرجع توقيت اندلاع الأزمة إلى ديناميكية أكثر شخصية، إذ تتهافت قوى المنطقة على ملء الفراغ الذي خلفته سياسة الخندقة في عهد أوباما، ثمَّ تبعته عشوائية الرئيس ترامب في تعاملاته الخارجية. سارعت دول الحصار إليه خدمةً لأهداف داخلية وخارجية. في السعودية، ربَّما كانت معارضة محمد بن نايف لحصار قطر هي القشة التي قصمت ظهر البعير وأطاحت به من مسار انتقال السلطة.

أضِف إلى هذا أن الحصار يحمل رسالة إلى قادة الكويت وسلطنة عُمان، دولتان فضلتا التريث وعدم الانضمام إلى مقاطعة شقيقتهما الخليجية. هما أيضًا على أعتاب انتقالٍ في السلطة، مع بلوغ الأمير الكويتي الشيخ صباح الأحمد العقد التاسع من عمره، وتدهور الحالة الصحية للسلطان العُماني قابوس. في الوقت نفسه، قدَّم الحصار خدمة كُبرى لتميم بن حمد، إذ مكَّنه من الخروج من ظل والده بفضل موجة الدعم والالتفاف الشعبي حوله في مواجهة دول الحصار.

ينتهي لوكاس إلى أن جولات تأمين توارث السلطة بهدف تأمين نفوذ الأسر والعصب الحاكمة أدى سابقًا إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط. اجتاحت موجة من الانقلابات العسكرية قصور الخليج إضافة إلى مصر وليبيا والعراق في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وفي التسعينيات رأى البعض اتباع الحكام الجدد في الأردن والمغرب والبحرين وقطر سياساتٍ شعبوية باعتباره إيذانًا بعهدٍ من الديمقراطية. لكن الأمر لم يكن كذلك.

Default Comments

اترك تعليقاً

Show Buttons
Hide Buttons