مجلة بزنس كلاس
مصارف

تمكنت قطر من تكوين احتياطيات مالية كافية لضخ سيولة ضخمة في السوق وتحقيق نمو مستدام، في الوقت الذي تستمر في تنويع اقتصادها، من خلال تنفيذ إستراتيجية جنَّبَتها المخاطر وضمنت لها تطبيق المعايير الدولية، مما دفع وكالات التصنيف الائتماني العالمية لأن تنظر إليها نظرة تفاؤلية.
كانت هذه مقدمة بسيطة للملحق الخاص الذي أصدرته صحيفة “يواس ايه توداي” الأمريكية، عن قطر بمناسبة انعقاد اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والسبعين.
ومن بين ملفات المحلق، تناولت الصحيفة الأمريكية القطاع المصرفي القطري.
وذكرت الصحيفة أنه نظرا للطلب الكبير على المشروعات أعرب خبراء عن أملهم في وجود برامج اقتصادية تحفيزية لمواجهة الطلب المتزايد على مشروعات البنية التحتية التي تتطلبها استضافة قطر لكأس العالم 2022، في الوقت نفسه، تم تنفيذ تغييرات هيكلية وتنظيمية لضمان فاعلية أداء وشفافية أسواق رؤوس الأموال القطرية بما فيها سن قوانين جديدة، ومشاريع لقوانين استثمارية جديدة، وإقامة شراكة قوية بين القطاعين الخاص والعام، وهو الأمر الذي تهتم به الحكومة القطرية.
وأضافت الصحيفة: لعب القطاع الخاص دورا بارزا في الاقتصاد القطري في الوقت الذي تبذل البلاد جهودا لتقليل اعتمادها على النفط الخام، طبقا لرؤية قطر الوطنية 2030 التي تهدف إلى أن يكون الاقتصاد أكثر تنوعا وديناميكية، بالإضافة إلى تشجيع ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وقال الشيخ عبد الله بن سعود آل ثاني، محافظ مصرف قطر المركزي: “إن أحد العناصر الأربعة للرؤية يتمثل في التنمية الاقتصادية، أي تعزيز اقتصاد معرفي متنوع قادر على تلبية احتياجات جميع المواطنين القطريين وضمان أفضل مستوى معيشة لهم”.

تكنولوجيا صديقة 
وتتضمن الرؤية أيضا إستراتيجيات لتشجيع المواطن القطري على الانضمام إلى اليد العاملة إضافة إلى الالتزام بتكنولوجيا صديقة للبيئة في قطاع الغاز والنفط، وتعد قطر أغنى دولة في العالم بسبب وجود احتياطيات نفطية بمقدار 25.244 مليون برميل، إضافة إلى بلوغ متوسط دخل الفرد 132 ألف دولار سنويا.
ويظل تنويع الاقتصاد العامل الجوهري، وفي سنوات قليلة ماضية كان البعض يعتقد أن النفط ومشتقاته سيكون أقل من إجمالي الناتج الاقتصادي بحلول 2016، وخلال العام المقبل سيتراجع إلى 30% إذا جاءت توقعات خبراء صناعة النفط صحيحة.

الفوائد والوقايات 
غالبا ما يتوقع أن تحدث سلبيات عندما يتم ضخ السيولة في نظام مالي معقد، ولأول مرة خلال مدة 15 سنة، تعاني قطر عجزا في الميزانية، فيما يتوقع سعادة علي شريف العمادي، وزير المالية، أن يظل معتدلا حتى نهاية العام الحالي ووعد بأن غطاء الإنفاق الحكومي سيحافظ على ذلك، غير أن العجز بقدر 12.8% كبير للغاية.
ويجب تخفيض المنافع والمستحقات وإدخال معايير الكفاءة للموظفين الحكوميين، وعبَّرَ البعض عن غضبهم عندما ألغت الحكومة في وقت مبكر من العام الحالي دعم الوقود، ويرصد الكثير ماذا سيحصل خلال عام 2018 أو 2019، حين تفرض الحكومة القطرية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي ضريبة موحدة.

تحسن النمو 
كرستين لاجارد مديرة صندوق النقد الدولي قالت: شهد فائض الميزان التجاري تراجعا حادا خلال العام الحالي، ولكن معدل النمو سجل تحسنا إيجابيا، وقد انخفض الفائض في يناير الماضي أكثر من النصف على أساس سنوي بنسبة 54%، وهبطت مشتقات النفط مثل الغاز الطبيعي المسال.
وتعد قطر ثاني منتج للغاز الطبيعي في العالم وتهيمن على ثلث السوق العالمية غير أنها ستواجه منافسة قوية عندما يتم تطوير حقول الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة وأستراليا.
ورغم انخفاض العائدات، يظل الأداء القطري في سوق السندات العالمية قويا، وعندما خفضت وكالة “ستاندار آند بورز” تصنيفها للدول المجاورة، مثل السعودية والبحرين وعمان، في وقت مبكر من العام الجاري، فقد صنفت درجة AA للمدى الطويل ودرجة A-1+ للمدى القصير لقطر، وأكدت أن الآفاق الاقتصادية مستقرة.
وفي الوقت نفسه، أكدت “موديز” تصنيفها لقطر بدرجة AA2 وأكدت أن الآفاق الاقتصادية غير مستقرة وذلك بعد أن وضعت في الحسبان انخفاض أسعار النفط، ورفع بنك “مورجان ستانلي” منزلة قطر إلى السوق الناشئة.
وإذا كانت الحكومة قد احتفظت باحتياطيات مالية قوية في مصرف قطر المركزي وأقامت مشاريع استثمارية من خلال “جهاز قطر للاستثمار” عندما حققت أسعار النفط والغاز عائدات أعلى، توقع بعض المحللين أن يبلغ نمو إجمالي الناتج المحلي بين العامين الحالي والمقبل 4% أو أكثر على أساس سنوي، طالما بقيت أسعار السلع مستقرة نسبيا.

القطاع المصرفي 
وفي سؤال حول تجاوب البنوك القطرية مع الأساسيات الاقتصادية الجديدة رَدَّ الشيخ عبد الله بن سعود آل ثاني، محافظ مصرف قطر المركزى قائلا: بالإشارة إلى تطبيق مقررات بازل 3 خاصة الإجراءات المرتبطة بمعايير رؤوس الأموال، والحفاظ على نسبة تغطية السيولة ونسبة صافي الأموال المستقرة ونسبة قروض البنوك إلى الودائع، إضافة إلى الأعباء الرأسمالية للبنوك المحلية الرئيسية، فإنه من أجل الحفاظ على اقتصاد يتصف بالمنافسة، يجب أن تكون السياسة النقدية قادرة على دعم الاقتصاد عند تراجع إجمالي الناتج المحلي، وأن يتم ضمان الاستقرار المالي من خلال تحسين اللوائح والإشراف الكلي.
وأضاف محافظ “المركزي” أن فرض ضرائب مناسبة وسهولة ممارسة أنشطة الأعمال مع بيئة مالية قوية كلها تساهم في جعل قطر وجهة للاستثمارات الأجنبية، ونتيجة العزم على الصمود أمام التباطؤ خلال الربع الثالث عام 2015، ارتفع إجمالي أصول البنوك في قطر بنسبة 13.3% على أساس سنوي، متفوقا على الإمارات العربية المتحدة والسعودية والكويت، ويعزى ذلك إلى معدل كفاية رؤوس الأموال.
وحتى في بلد يتواجد فيه 18 مصرفا لها تراخيص لممارسة أنشطة الأعمال، فإن البيئة التنافسية، حيث يمارسون فيها أنشطتهم، قد شجعت المقرضين على العمل في قطاعات الأعمال غير المستغلة، ويتمثل ذلك في سلسلة من المنتجات الجديدة والخدمات المطروحة، إضافة إلى إنشاء مركز رسمي للتصفيات بالرينمبي في قطر.

المنتجات والخدمات الجديدة 
وأوضح باسل جمال، الرئيس التنفيذي لمجموعة مصرف قطر الإسلامي، أن تطوير القطاع المصرفي الإسلامي ونمو الأصول المطابقة لأحكام الشريعة الإسلامية، يعد أحد أسرع المنتجات المالية في قطر، وخلال العام الحالي، مثلت هذه الأصول 27% من إجمالي أصول المصارف، وفي عام 2015، بلغت ودائعها 30%، (4 من 18 مصرفا مرخصا في قطر تعمل وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، و7 مصارف محلية و7 أخرى مصارف خارجية).
وأضاف باسل جمال أن فريقا متخصصا من الماليين في مصرف قطر الإسلامي يحرصون على التعامل مع العملاء الساعين وراء المعاملات الإسلامية القيمة مقارنة بالمعاملات في البنوك التقليدية، مشيرا إلى أن مصرف قطر المركزي وفر بيئة مواتية لتطور ونجاح المصارف الإسلامية.

الشفافية والالتزام 
وأكد محافظ المركزي أن البنوك التي تعمل وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، كجزء من القيم الإسلامية، تحتاج إلى الشفافية والالتزام، فيأتي العملاء إلى هذه البنوك مطمئنين إلى القيم التي تلتزم بها البنوك وتحافظ عليها في جميع تعاملاتها.
وذكر تميم حمد الكواري، الرئيس التنفيذي لشركة “كيو إنفست”، أن مصرف قطر الإسلامي يعد من المؤسسات المساهمة لـ”كيو إنفست”، كما أن الميزانية العمومية للشركة تؤكد على أداء متناسق خلال العام الجاري رغم الظروف الاقتصادية الصعبة وموجة التقلبات في المنطقة، وسجلت العائدات وصافي الأرباح ارتفاعا بمعدل 32% و76% على التوالي، مما دفع أعضاء مجلس الإدارة إلى زيادة حصة الأرباح.
وقال تميم حمد الكواري: إن “كيو إنفست” شركة فريدة في المنطقة، ويعود هذا التفرد إلى الثقافة والخبرة المناسبتين إضافة إلى المعارف المحلية.

أصول حقيقية 
ومن جانبه، أوضح عادل مصطفوي، الرئيس التنفيذي لمجموعة مصرف الريان، أن الأصول الإسلامية قائمة على أصول حقيقية تكتنفها المخاطر، وربطها بالاقتصاد الحقيقي يخلق غطاء طبيعيا للنظم المالية مقارنة بأصول البنوك التقليدية.
وأشار عادل مصطفوي إلى أن مبادئ التمويل الإسلامي تلزم المعاملة العادلة مع العملاء في جميع الأوقات خاصة خلال الأزمات المالية، وتعزز العلاقة المتميزة بينهم والبنوك الإسلامية.
وقال عبد العزيز بن ناصر آل خليفة، الرئيس التنفيذي لبنك قطر للتنمية (المملوك للدولة)، والذي يوفر رؤوس الأموال للشركات الصغيرة والمتوسطة، إن المؤسسة المالية تأخذ بعين الاعتبار كل الأنشطة التي تساهم في رفاهية الناس، مشيرا إلى أنها تركز على الفجوة الموجودة في السوق بدلا من حصة السوق.
وتشمل خدمات “بنك قطر للتنمية” مساعدة الشركات المحلية الصغيرة والمتوسطة وتمويلها علاوة على تقديم المشورة في الوقت الذي تبذل فيه جهودا لتكون مدرجة في سوق الشركات الناشئة.
وتعمل سوق الشركات الناشئة مع بورصة قطر، حيث يرى راشد بن علي المنصوري، الرئيس التنفيذى أن البورصة تلعب دورا مهما كوسيط، إذ تجمع بين المصدرين والمستثمرين للمنفعة المتبادلة، مؤكدا أن قطر تعمل بجد لتكون مركزا مهما للمستثمرين المحليين والأجانب من خلال إتاحة فرص تجارية لهم مع الشركات المسجلة والتي تحقق معدل نمو أفضل.

العائدات المرتفعة 
وفي ظل الظروف الصعبة، وفَّرَت بورصة قطر للمستثمرين عائدات ربحية مغرية تعد الأفضل في المنطقة، فيما قال المنصوري، إن البورصة تأمل في استقطاب جهات إصدار جديدة خاصة شركات تمتلكها عائلات، موضحا أن هناك كثيرا من الشركات الناجحة في القطاع غير النفطي تمتلكها عائلات ويحاول المسؤولون أن يثبتوا لهم ميزات وفوائد الإدراج بالبورصة.
وأشار المنصوري إلى أنه يمكن توجيه دعوة لكل الذين يبحثون عن فرص تجارية واعدة، وبيئة مناسبة لممارستها، وأن قطر مجتمع مفتوح يستثمر بشكل كبير في التكنولوجيا الحديثة وقطاع النقل والبنية التحتية.

أسرع الاقتصاديات 
وأضاف المنصوري أن الدولة أنشأت مركز قطر للمال بجانب إطاره القانوني، معترف به دوليا، والذي من خلاله يمكن للمستثمرين الدوليين أن يقيموا شراكات مع الشركات المحلية، وهو الأمر الذي جعل كريستين لاجارد، مديرة صندوق النقد الدولي تصرح بأن قطر أصبحت ضمن أسرع الاقتصادات نموا في المنطقة وآفاقها الاقتصادية مستقرة، وإضافة إلى ذلك، فإن النظام المصرفي قادر على مواجهة تحديات مثل انخفاض أسعار النفط وتراجع نشاط القطاع غير النفطي ورفع سعر الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية.

نشر رد