مجلة بزنس كلاس
قطر اليوم

كشف الدكتور أحمد أويصال أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة مرمرة عن وجود علاقة وثيقة بين جهاز المخابرات المركزية الأمريكية “CIA” وجماعة فتح الله كولن، وأكد أن المخابرات الأمريكية هي من دعمت كولن في انقلابه، كما أنها أسهمت في تسهيل خروجه من تركيا، واستقراره في الولايات المتحدة.

كما كشف أويصال في حواره مع “الشرق” عن وجود أحد رجال المخابرات الأمريكية “هنري ج. باركي” في تركيا عشية محاولة الانقلاب، وهرب بعد فشلها، وهو ما يؤكد ضلوع الـ”CIA” في المحاولة الانقلابية.

وردا على نفي كولن بالمشاركة في الانقلاب، قال أويصال إن هناك أدلة كثيرة تثبت ضلوع كولن في المحاولة الانقلابية بشكل مباشر، وقد كشفت التحقيقات ذلك، وأهمهما بالطبع طلب الانقلابيين من خلوصي آكار “رئيس الأركان” التحدث لـ”كولن” أثناء احتجازه لإقناعه بالتعاون والمشاركة معهم في الانقلاب.

274650_0

 

واعتبر الدكتور أويصال نموذج حركة فتح الله كولن ينصب أصلا في خدمة المصالح الغربية، والجهات المعادية لتركيا، لأنها جماعته تنتهج منهج “الإسلام الليِّن” وهو الذي يخدم مصالح الغرب، أكثر من أي جماعة أخرى.

وقال أويصال إن الانقلابيين كانوا يخططون لتنفيذ مشروع تقسيم المنطقة، ونشر الفوضى”الخلاّقة” التي يخطط الغرب الآن لتنفيذها في المنطقة، وهم بذلك يستهدفون تركيا القوية، وليس حزب العدالة والتنمية أو الرئيس التركي، ويسعون لإخضاعها للقوى الغربية، حتى تضعُف ولا يكون لها أي دور مؤثر في المنطقة، بل كانوا سيسخرون الأراضي التركية، وقوة تركيا الإسلامية من أجل زعزعة استقرار المنطقة.

وإلى نص الحوار…

بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على المحاولة الانقلابية ووضوح حجم التدابير التي اتخذها “الكيان الموازي” لتنفيذ مخططهم هناك سؤال يُطرح بإلحاح… لماذا لم تستشعر الدولة هذه الإجراءات من قبل؟

في الحقيقة كانت هناك إجراءات احترازية، وتوجس من أفعال وتحركات ومطالب أنصار فتح الله كولن، لكن لم يكن يُتوقع أن يقوموا بمثل هذا العمل الإجرامي.

فقد تعامل معهم حزب”العدالة والتنمية” على أساس أنها جماعة دعوية وخدمية فقط، وسمح لهم بممارسة أنشطتهم بحرية كاملة، لكنهم استغلوا هذا الأمر وانتشروا في الدولة بشكل مطرد، من خلال مدارسهم المنتشرة في عموم تركيا، وجنّدوا العاملين بها، وأُسر الطلاب أيضا، وكوْن فتح كولن لديه ارتباط وثيق بجهاز المخابرات الأمريكية، فقد كان التخطيط على قدر كبير من الدقة والحذر، واستطاعوا خداع الدولة والأجهزة الأمنية.

علاقة كولن بالـ”CIA”

هل توجد علاقة تربط فتح الله كولن وجماعته بالمخابرات الأمريكية “CIA”؟

بالطبع توجد علاقة وثيقة بين الطرفين، فنموذج حركة فتح الله كولن ينصب أصلا في خدمة مصالح الغرب، والجهات المعادية لتركيا، لأنها جماعة تنتهج منهج “الإسلام اللين” وهو الذي يخدم مصالح الغرب، أكثر من أي جماعة أخرى.

فهناك معلومات مؤكدة عن علاقة وثيقة تربط فتح الله كولن بجهاز المخابرات الأمريكية “CIA”، وقد كانت بداية التعاون أثناء “الحرب الباردة” حيث استغلته المخابرات الأمريكية لمواجهة الشيوعية، ثم بعد ذلك اعتمدت عليه المخابرات الأمريكية في خدمة مصالحها.

وهذا الكلام أوضحه جراهام فولر”مسؤول التنبؤات المستقبلية في جهاز المخابرات الأمريكية” وكشف عنه في كتاباته، التي كتبها في صحف أمريكية ذات ثقل، كما أن المعلومات تشير إلى أن فولر هو الذي سهل لـ”كولن” الخروج من تركيا بعد الانقلاب على “أربكان” وزكاه عند الإدارة الأمريكية، بل طالب جهاز المخابرات المركزية بالحفاظ عليه كنموذج تستخدمه الولايات المتحدة فيما بعد، وهذا ما جعل مدارسه تنتشر في أمريكيا انتشارا واسعا، بعد تزكيته من مسؤول كبير في الـ”CIA”، وعندما نقول إن المخابرات الأمريكية تدعم كولن، فهذا لا يعني أن إدارة الدولة كلها تدعمه.

إذًا كانت هناك علاقة مبكرة تربط فتح الله كولن بجهاز المخابرات الأمريكية والوسيط فيها “جراهام فولر”؟

بكل تأكيد.. وهذا ثابت بالوثائق، بل إن نائب فولر وهو “هنري ج. باركي” الداعم الأبرز “للكيان الموازي” كان موجودا عشية الانقلاب في تركيا، وكان يستعد لإدارة الأمور حال نجاح المحاولة الانقلابية، ولكنه هرب مباشرة بعد فشل المحاولة، وكتب بعدها في الصحف الأمريكية مدافعا عن كولن ومنتقدا للرئيس رجب طيب أردوغان.

بداية تجنيد كولن

متى بدأت علاقة فتح الله كولن بالمخابرات الأمريكية؟

لقد بدأت في السبعينيات، قبل أن يخرج من تركيا إلى الولايات المتحدة، وهذا ما ذكره أحد قادة النقشبنديين، القريب من “حزب أربكان” بأن جهات أجنبية جاءت إلى تركيا وعرضت علينا التعاون معها وتبني مشروع “الإسلام اللين” فرفضنا، بينما قبلت بذلك جماعة أخرى “يقصد كولن” تنفيذ هذا المشروع.

ثم بعد ذلك توثقت علاقة كولن بالمخابرات الأمريكية أكثر في ثمانينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي انتشروا فيها بكثافة أكثر مستغلين الدعم الأمريكي لهم، وانشغال الدولة “الكمالية” آنذاك بملاحقة أنصار أربكان، كما استغلوا حظر الحجاب في الجامعات وسمحوا به في مدارسهم الخاصة، لتقريب الأتراك منهم، لأنهم يعلمون أن الشعب التركي متدين، ويحب الدين الإسلامي، و70% من السيدات التركيات محجبات.

ضلوع كولن في الانقلاب

لكن فتح الله كولن نفى علاقته المباشرة بالانقلاب؟

هذا غير صحيح.. فـ”كولن” متورط بشكل مباشر في المحاولة الانقلابية، وهذا ما كشفته التحقيقات بعد الانقلاب، فمثلا الانقلابيون الذين احتجزوا رئيس الأركان “خلوصي آكار” اتصلوا بـ”كولن” مباشرة أثناء احتجازه فترة الانقلاب وقالوا لرئيس الأركان: “خذ الهاتف وكلم قائدنا”، من أجل إقناع آكار بالاتفاق معهم، وهذا دليل كافٍ على أن كولن كان يعطي الأوامر للانقلابيين، من مقر إقامته في “بنسلفانيا”، لكن رئيس الأركان رفض الاستجابة لهم.

وقد تم الاطلاع على رسائل الـ”واتس آب” التي كانوا يستخدمونها ويتلقون تعليماتهم من زعيمهم ومساعديه في الولايات المتحدة، لكنهم في البداية كانوا يستخدمون برنامج “وات لوك” حتى لا يستطيع أحد كشفهم.

أيضا فإن الشعب التركي الآن على يقين تماما بتورط فتح الله كولن وأتباعه في هذا الانقلاب، بل عرف دورهم السابق في إسقاط الدولة، سواء من خلال تأييدهم لتظاهرات تقسيم، أو تلفيق القضايا لأربعة وزراء تابعين للعدالة والتنمية من أجل تشويه صورة الرئيس أردوغان، ولولا مصداقية الرئيس عند شعبه لأفلحت اتهاماتهم.

كما أنهم أرادوا إحداث خلاف بين أحمد داود أوغلو “رئيس الوزراء السابق” والرئيس أردوغان، واستغلوا تعامل أوغلو معهم باللين، وقبله عبدالله جول، واعتبارهم شركاء في الوطن، لإحداث الوقيعة بين أبناء الشعب، وهذا الذي جعلهم ينزعجون من ترك أوغلو لمنصب رئيس الوزراء، نظرًا لأنه لم يكن يريد أن يصطدم معهم ولم يكن يشعر بخطرهم.

إذًا اتفقنا على تبعية كولن وجماعته للمخابرات الأمريكية والغرب.. هل كانوا يخططون لدور إقليمي آخر إذا نجح الانقلاب؟

بالتأكيد.. فقد كانوا يخططون لتنفيذ مشروع تقسيم المنطقة، ونشر الفوضى “الخلاقة” التي يخطط الغرب الآن لتنفيذها في المنطقة، وهم بذلك يستهدفون تركيا القوية، ويسعون لإخضاعها للقوى الغربية، حتى تضعف ولا يكون لها أي دور في المنطقة، بل كانوا سيسخرون الأراضي التركية، وقوة تركيا الإسلامية من أجل زعزعة استقرار المنطقة، وتنفيذ المشروع المعروف بـ”الشرق الأوسط الجديد”.

علاقة كولن بـ”الكماليين”

هل كان هناك تعاون مشترك بين “الكيان الموازي” وأنصار كمال أتاتورك”الكماليين”؟

لا.. لم يكن هناك أي تعاون، بل على العكس فقد استغل أتباع كولن خلاف “الكماليين” مع الدولة ومحاولتهم الانقلاب أكثر من مرة، وبدؤوا في الانتشار في مؤسسات الدولة ومن ثّم السيطرة عليها، مستغلين انشغال الدولة بـ”الكماليين” ومواجهتهم.

هل نستطيع القول بأن”الكيان الموازي” أصبح جزءًا من التاريخ؟

في تقديري أن وجودهم في الشارع سيكون ضعيفا، وتأثيرهم وسيطرتهم داخل المؤسسات ستقل، لكن التخلص منهم نهائيا أعتقد أنه سيأخذ بعض الوقت، خاصة أنهم استطاعوا التغلغل والانتشار داخل الدولة ومؤسساتها وكوّنوا جيلا جديدا ينتهج التقية في تعامله مع الناس، ولا شك أن وجود زعيمهم في الخارج سيساعدهم في تكوين صفوفهم مرة أخرى.

مَا الجهة الأكثر تصديا للمحاولة الانقلابية.. المخابرات أم جهاز الشرطة؟

في الحقيقة الكل تصدى للمحاولة الانقلابية الفاشلة بكل شجاعة وإقدام، والعنصر الأبرز هو الشعب التركي، لكن جهاز “مكافحة الإرهاب” التابع لجهاز الشرطة، ربما يكون هو الأكثر تصديا للانقلابيين عن باقي الأجهزة الأخرى، وقد حاول قادة “الكيان الموازي” أن يشركوا رئيس الجهاز معهم في المحاولة الانقلابية، ويسلمهم مقر الجهاز، لكنه رفض، فقاموا بإطلاق الرصاص على رأسه مما تسبب في إصابته بالشلل، وهو يعالج الآن من جراء محاولة قتله، وربما يكون هذا الذي دفع رجال الجهاز “مكافحة الإرهاب” للتصدي للانقلاب بكل شجاعة وبسالة.

كما أن غالبية الجيش رفضت المحاولة الانقلابية، ومن شارك هم 8 آلاف عسكري فقط، وهذا دليل على رفض غالبية العسكر للانقلاب، لكن يبقى الشعب التركي هو الرقم الأهم في وقف هذا الانقلاب.

علاقة “العدالة والتنمية” بالأحزاب

هذا يجعلني أسألك ما طبيعة علاقة حزب العدالة والتنمية الآن بالأحزاب المعارضة الأخرى؟

لا أكون مبالغا إذا قلت إنها أصبحت إستراتيجية، خاصة مع حزب الشعب الجمهوري، وقد جرت محاولة انقلابية داخل الحزب القومي، قادتها مجموعة داخل الحزب تريد توثيق العلاقة أكثر مع حزب العدالة والتنمية، وعدم معارضته، وطالبوا بانتخابات مبكرة للمناصب القيادية في الحزب، برغم الخلاف الواضح بين الحزبين تاريخيا وأيديولوجيا، وهذا بالطبع لم يحدث إلا لضغط أعضاء هذا الحزب على قيادتهم من أجل الاتفاق مع “العدالة والتنمية” لتحقيق مصلحة تركيا أولا وتنحية جميع الخلافات السياسية سيما في هذه المرحلة بالذات.

كما أن هناك تأييدا واسعا داخل الشارع الكردي لحزب العدالة والتنمية، كما أن مؤيدي حزب الشعوب الجمهوري أيضا يضغطون على الحزب للاتفاق وعدم معارضة الحزب الحاكم، والشارع الكردي أيضا تراجع عن انتقاده للحكومة وهناك استطلاعات أثبتت ارتفاع شعبية العدالة هناك.

بعيدا عن الإجراءات الأمنية ضد “الكيان الموازي” هل الدولة تتبنى طرقًا أخرى فكرية وسياسية للتصدي لـ”الكيان الموازي”؟

بالطبع.. فالدولة تعتمد على تبيين وتوضيح خطر هذه الجماعة على المجتمع التركي وعلى المنطقة أيضا، من خلال وسائل الإعلام والمؤتمرات والندوات والمناهج العلمية، كما أن الشارع التركي الآن وضحت له خطورة هذا الكيان بشكل جلي بعد المحاولة الانقلابية، بعد أن كان هناك قطاع داخل الشارع يتوهم وطنية هذا الكيان.

كما أن الدولة قامت بمصادرة مدارس الكيان والتي كان يعتمد عليها في الترويج لأفكاره، ويستغل التبرعات التي كانوا يجمعونها من أجل نشر أفكارهم وشراء بعض النخب، وهذه المدارس سيتم تسليمها لـ”وقف معارف” الذي سيقوم بإدارتها.

علمًا بأن هذه المدارس تركية من حيث التمويل والمناهج والماركة، لكنها منتج أمريكي يُخدم على مصالح أمريكا والدول الغربية في المنطقة.

نفوذ أردوغان

هناك مؤشرات على زيادة نفوذ أردوغان عما قبل الانقلاب.. هل تتفق مع هذا الأمر؟

نعم.. فالرئيس التركي أصبح أقوى من ذي قبل، وهذا واضح في جميع استطلاعات الرأي التي أجريت بعد الانقلاب، فشعبية أردوغان كانت قبل الانقلاب لا تتجاوز 55% والآن ارتفعت لأكثر من 75%، بل إن هناك قطاعا كبيرا من الأحزاب الأخرى والمعارضين له في السابق، أصبحوا يدعمونه الآن، حتى أصبح أردوغان هو الرئيس الوحيد الذي فاقت شعبيته حزبه، وهذا ناتج عن استشعار الشعب بأن تركيا مستهدفة، وأن أردوغان هو الأمين على مستقبلها، وأنه لا يعمل من أجل مصالحه الشخصية، ولا حزبه ولا جماعته، وإنما من أجل مصلحة البلاد كلها، بل إن الشارع الكردي تحول الآن من دعمه لحزب العمال الكردستاني، إلى مساندة الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية.

هناك تفسيرات كثيرة لرفض الشارع التركي للانقلاب وتأييده لرئيسه وحكومته.. برأيك ما هي؟

إذا نظرنا للأسباب فهي كثيرة جدا، بداية من حالة الاستقرار والتقدم الاقتصادي وزيادة الطبقة الوسطى، مرورًا بعدم منع الحجاب، وانتهاءً بإنجازات الرئيس، لكن أعتقد أن الدافع الرئيسي هو خوف الشعب التركي على مستقبل بلادهم، كما أن هناك عاملا عاطفيا آخر كان الأكثر قوة في تحرك الشعب التركي للتصدي للانقلاب مهما كلفهم، وهو مصداقية الرئيس أردوغان مع الشعب، فهي التي ألهمتهم الشجاعة للنزول إلى الميادين والتصدي بصدورهم العارية للدبابات.

فمثلا الشاب التركي الذي نزل تحت الدبابة لكي يوقفها عن التحرك، وهو بالمناسبة طبيب مشهور، ومع ذلك لم تمنعه مكانته من التصدي بهذه الطريقة للانقلاب، كما شاهدها العالم كله، وعندما سألوه لماذا فعلت ذلك؟ فقال خشيت على مستقبل بلدي!!

والنماذج كثيرة فهناك المزارع الذي تقع مزرعته بجوار المطار، حيث قام بإحراق محصول القمح، وهو رأسماله الوحيد، من أجل التشويش على طائرات الانقلابيين، وكذلك السيدة التي ذهبت إلى الدبابات على جسر البسفور ووقفت أمامهم، لتمنعهم عن السير فأطلقوا عليها الرصاص وقتلوها، والأمثلة كثيرة جدًا، وهم ما فعلوا ذلك إلا خوفا من ضياع كرامتهم وامتهان الشعوب الأخرى لهم.

أنتم كأكاديميين ما هو دوركم في التصدي للانقلاب؟

نحن جزء من الشعب التركي وكنا في طليعة المتصدين للمحاولة الانقلابية، وأنا شخصيا كنت أول من كتب على تويتر بأن ما يحدث انقلاب عسكري، وذلك بعد أن شاهدت الدبابات على جسر البوسفور، ودعوتُ الشعب التركي للنزول إلى الشارع، وكان ذلك قبل دعوة الرئيس أردوغان، وعندما دعا الرئيس الشعب للنزول اصطحبت عائلتي ونزلنا واعتصمنا بجوار البرلمان.

نشر رد