مجلة بزنس كلاس
طاقة

النفط يستعيد هيبته والسياسة تفسد الاقتصاد أحياناً

أزمة أسعار النفط تؤثر على المستهلك قبل المنتج

فرضيات أمريكية متفائلة بلا سند والأنباء الطيبة للناخب الأمريكي أهم من الوقائع

ارتفاع تكلفة استخراج النفط الصخري يحدّ من قدرته على المنافسة

أسباب انخفاض الأسعار قابلة للسقوط

تباطؤ الاقتصاد الصيني ساهم في صناعة الفائض

مسار التعافي يبدأ مع نهاية عام 2015 وموسم المكاسب في العام 2016

الاقتصاد العالمي لا يحتمل أسعار نفط متراجعة جداً

“أوبك” ستظل اللاعب الأساسي والمحدد لأسعار النفط عالمياً

ممدوح سلامة

الدوحة- بزنس كلاس

لا تزال قضية أسعار النفط، هبوطها وتوقعات صعودها، محل الكثير من التحليلات والدراسات والاستنتاجات، ذلك يعود بالطبع ليس فقط إلى أهمية دور النفط ومدى الاحتياج إليه، بل أيضاً إلى ما تحققه عوائده من تحريك لمشروعات استثمارية كبرى تلعب دوراً خاصاً في الاقتصاد العالمي.

ورغم كل المؤشرات التي كانت تؤكد انهياراً متواصلاً لأسعار النفط، أو على الأقل ثباته على الانخفاض الأخير لسنوات طوال قادمة، إلاً أن توقعات مضادة تأتي من مصادر موثوقة تتبنى وجهة نظر مخالفة ومفاجئة.

في انتظار مرحلة النمو

وفي هذا الإطار توقع مستشار البنك الدولي لشؤون الطاقة الدكتور ممدوح سلامة استمرار صعود أسعار النفط خلال السنوات المقبلة وبلوغه مستويات قياسية قد تصل بالأسعار إلى مستوى 170 دولاراً، قائلا:”إن أساسيات القطاع تؤكد ذلك رغم تراجع الأسعار الحالي والركود الاقتصادي العالمي، وهو ما يؤكد أن الأسعار سقفز بشكل كبير فور انتقال الاقتصاد العالمي إلى مرحلة النمو”.

وقال سلامة في تصريحات خاصة لـ”بزنس كلاس” على هامش ندوة المركز العربي المخصصة لقطاع الطاقة إن أسعار النفط ستباشر مسار التعافي مع نهاية عام 2015، وستحقق مكاسب في العام 2016 لتصل حدود 70-80 دولارا للبرميل، قبل أن تسترجع كامل ما خسرته في عام 2017. ويبرر هذا التوقع المتفائل، بأن الاقتصاد العالمي لن يستطيع تحمل أسعار نفط متراجعة جدا، إذ ستتلاشى الآثار الإيجابية لذلك على اقتصادات الدول المستهلكة بسرعة لأن ما يترتب على الأسعار المنخفضة من تقليصات في استثمارات إنتاج النفط والصناعات المرتبطة به، وكذا سياسات التقشف في الدول المصدرة سيكون له تأثير سلبي على معدلات نمو الاقتصاد العالمي. وأضاف أن الوضع الحالي للأسعار قد يزرع بذور أزمة عرض نفطي مستقبلية بسبب تراجع الاستثمارات.

ولفت سلامة إلى أن الزيت الصخري الأمريكي لا يشكل تهديدا لمنظمة الدول المنتجة للنفط ” أوبك”، وأن هناك مبالغات بخصوص تأثير الإنتاج الأمريكي وانعكاساتها على مستويات الطلب العالمي على النفط ومستويات الأسعار في الأسواق العالمية.

وقال إن المبالغات الكبيرة التي ترتبط بالزيت الصخري الأميركي لا تستند إلى أي حقيقة، مضيفا أن إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري بلغ أقل من مليون برميل في العام الماضي، ومن المتوقع أن يصل إلى مليوني برميل في 2020.

فرضيات أمريكية متفائلة

وتقول أغلب التقارير الأمريكية إن صادرات الولايات المتحدة ستزيد على ما تستورده بحلول عام 2030 وستصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي من النفط بحلول 2035، وتعتمد في ذلك على افتراضات متفائلة في مجالات التكنولوجيا وما يستتبعه ذلك من اكتشافات نفطية وبالتالي زيادة ملحوظة في الاحتياطات والربحية.

وقال إن الارتفاع الكبير في أسعار النفط خلال السنوات الماضية جعل الاستثمار المكلف في إنتاج النفوط غير التقليدية مجديا اقتصاديا فبدأت فورة حقيقية في التوسع في إنتاجه في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2012، ولكن مستويات إنتاجه لم تظهر تأثيراتها في الأسعار سوى في النصف الثاني من عام 2014. وهذا التزايد في إنتاج النفط الصخري جعل الولايات المتحدة تبلغ مستويات غير مسبوقة من الإنتاج في حدود 8.5 مليون برميل يوميا من 6 ملايين برميل في 2012، وخفض استيرادها للنفط الخارجي، مضيفا:”ترافق تزايد الإنتاج من النفوط غير التقليدية، وحتى التقليدية أيضا بزيادات من دول داخل أوبك ومن روسيا، مع تراجع في نمو الطلب العالمي على النفط بسبب تباطؤ بعض الاقتصادات وفي مقدمتها الصين، وكذا سياسات النجاعة الطاقية وتقليص الاستهلاك في الدول المتقدمة. وأصبحت الحصيلة فائض عرض في السوق النفطية بمعدل 2 مليون برميل يوميا، فتراجعت الأسعار بداية من يوليو 2014. وأدى قرار أوبك الحفاظ على مستويات الإنتاج إلى زيادة وتيرة تراجع أسعار النفط لتفقد 57% من مستوياتها إلى حدود 40 دولارا للبرميل”.

تشكيك في ثروة الزيت الصخري 

وتشكك عديد التقارير في ما تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية من أرقام حول “ثورة الزيت الصخري”، حيث يتم عادة الاعتماد على إحصائيات وأرقام تأتي دائما من قبل شركات أمريكية أو دولية مرتبطة بأمريكا، ولا توجد جهات مستقلة محايدة يمكن الاعتماد عليها في هذه التقديرات، فالتقديرات الراهنة بشأن الاحتياطي الأمريكي من النفط الصخري تراوح بين 700 مليار برميل إلى 2 ترليون برميل في مختلف أنحاء أمريكا، وهناك حالة من عدم اليقين بشأن تلك الاحتياطات.

التقديرات الراهنة تؤكد أن النفط الصخري سيسهم بمليوني برميل يوميا في الإمدادات بحلول 2020 وبثلاثة ملايين برميل يوميا في 2035، وعلى الرغم من تأكيدها أن أمريكا الشمالية ستظل المصدر الرئيسي للنفط الصخري فقط في الأجل المتوسط، لكن أنحاء أخرى من العالم ربما تقدم مساهمات متزايدة في الأجل الطويل، معتبرةً أن دخول دول غير تقليدية مجال الإنتاج مثل الأرجنتين قد يغير المشهد، وتضيف أن الحكومة الأرجنتينية أعلنت أن حقل فاكا مويرتا الهائل للنفط والغاز الصخريين يضم موارد تقدر بنحو 661 مليار برميل من النفط و1181 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، ودخول هذا الحقل مجال الإنتاج يعني أن الأمر لن يكون حكرا على الولايات المتحدة الأمريكية مستقبلا.

الحسابات السياسية للاقتصاد

ويرى الخبراء أن هذه النظرة مغرقة في التفاؤل أكثر منها في الواقع، إذ ترتبط في حقيقتها بأهداف سياسية أكثر منها بحسابات اقتصادية، ويعلل ذلك بأن هناك سعيا دائما من قبل الإدارات الأمريكية سواء الديمقراطية أو الجمهورية لإقناع الناخب الأمريكي بأن المستقبل يحمل أنباء طيبة بإمكانية الاكتفاء الذاتي من النفط بل والتصدير، ونتيجة للقدرات المالية العملاقة لدى واشنطن فهناك دائما القدرة على تمويل عمليات البحث عن النفط حتى مع أقل المؤشرات أو أضعفها عن الجدوى المستقبلية لهذا الكشف، كما أن أغلب التحليلات التي تتبنى مواقف إيجابية تجاه النفط الصخري في أمريكا وتعتبر أن ذلك سيسمح لها بالاكتفاء الذاتي تتجاهل أن زيادة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة التي قد تصل إلى ثلاثة ملايين برميل يوميا بحلول 2025 ستجد صعوبة في تعويض النضوب في إنتاج النفط التقليدي الذي يراوح بين 3-5 في المئة في نفس الفترة الزمنية، ومن ثم فلن يكون له تأثير في سوق النفط العالمي، وستظل أوبك اللاعب الأساسي والمحدد لأسعار النفط عالمياً.

ويعتبر المشككون في حقيقة الضجة الإعلامية المحيطة بالنفط الصخري أن التكلفة السعرية لإنتاجه ستظل إحدى العقبات الرئيسة أمام أي اعتماد متزايد عليه مستقبلاً.

20% في العام 2035 ارتفاع الطلب

ويعتقد عدد من المختصين أنه في أفضل السيناريوهات فإن الزيادة في الإنتاج العالمي من النفط الصخري لن تفلح في مواكبة الزيادة الدولية في استهلاك الطاقة جراء النمو المتواصل لعدد سكان الكرة الأرضية، فالتقديرات الراهنة تشير إلى أن البشرية ستبلغ 8.6 مليار نسمة بحلول عام 2035، وهو ما يعني ارتفاع الطلب العالمي من النفط بنحو 20 في المئة، هذا إذا نجحت الجهود الدولية في أوروبا وأمريكا والصين في كبح الاستهلاك المفرط في استخدام النفط حالياً.

وعلى الرغم من التقدم المتزايد في تكنولوجيا استخراج النفط الصخري فإن ارتفاع تكلفة إنتاجه مقارنة بالنفط التقليدي تعد حجر عثرة في نظر البعض من إمكانية اعتماد الولايات المتحدة عليه كمصدر للطاقة والتخلي عن الاستيراد من منطقة الخليج العربي وتحديداً السعودية، فبالنسبة لمعظم منتجي النفط الصخري في أمريكا فإن التكلفة التشغيلية تراوح في المتوسط بين 82-90 دولارا للبرميل مقارنة بـ 4- 15 دولارا للنفط التقليدي، ولا يحقق هذا السعر أي أرباح بالنسبة للتكلفة الرأسمالية للمشروع أو حتى بالنسبة لقيمة الأرض التي توجد فيها آبار النفط الصخري، وإذا كانت شركات إنتاج النفط الصخري تحقق حالياً ربحية فإن انخفاض أسعار النفط يجعل عملية الإنتاج غير مجدية، مع الأخذ في الاعتبار تزايد التكلفة ارتفاعاً جراء النضوب السريع لآبار النفط الصخري التي تقدر بين 70-90 في المئة بعد العام الأول من الإنتاج.

نشر رد