مجلة بزنس كلاس
تحقيقات

على غرار العواصم الرئيسية وأهم المراكز المالية الفاعلة في الاقتصاد العالمي، ستستعد العاصمة القطرية الدوحة في الفترة القليلة القادمة لإرساء حي مالي متكامل على غرار “وول ستريت” في نيويورك و “كناري وورف” في لندن، وذلك من خلال انتقال مقار جميع الهيئات التابعة لمركز قطر للمال.

وينتظر أن تقدم المدينة المالية الجديدة إضافة نوعية للاقتصاد القطري خاصة على مستوى تنويع مصادر الدخل وتوفير فرص عمل للشباب القطري في قطاعات جد واعدة، تتماشى مع مجهود تطوير الموارد البشرية التي تقوم به الدولة. ويؤكد الخبراء على ضرورة أن يصاحب هذا الانتقال تطوير في التشريعات والأنظمة التي تساهم في تحقيق هذه الأهداف.

وفي هذا الإطار أكد السيد يوسف الجيدة الرئيس التنفيذي لهيئة مركز قطر للمال أن المدينة المالية الجديدة أو الحي المالي بالدوحة بمشروع مشيرب سيكون حيا ماليا متكاملا بمواصفات عالمية، من أهم مميزاته الشمولية والانفتاح وعدم اقتصاره على المؤسسات الحكومية أو الخاصة أو المرخصة من قبل مركز قطر للمال دون غيرها.

وقال الجيدة إن الانتقال إلى مشيرب قلب الدوحة هي نتيجة حتمية لتعزيز مكانة مركز قطر للمال وتحوله من مرحلة “التأسيس” إلى مرحلة “التطوير” بعد مرور أكثر من عشر سنوات على تأسيسه في عام 2005.

صرح مالي منافس

وأضاف الرئيس التنفيذي لمركز قطر للمال أن انتقال مقار جميع الهيئات التابعة للمركز قطر للمال إلى مشيرب قلب الدوحة يضع حجر الأساس للمدينة المالية الجديدة وانطلاقها صرحا ماليا رئيسيا وإقليميا ينافس المراكز المالية العالمية الأخرى، وهو هدف يتماشى مع رؤيتنا في المركز ورؤية قطر الوطنية 2030، قائلا: “الرؤية الجديدة لمركز قطر للمال تخدم السياسات في جعل الدوحة العاصمة المالية والتجارية الرائدة في المنطقة”.

ولفت الجيدة في عرضه عن أسباب اختيار مشروع مشيرب قلب الدولة لنقل مقر المركز إلى أن الموقع الجغرافي هو أحد أهم العوامل التي تستند إليها المراكز المالية العالمية، سواء في الأسواق الناشئة أو المتقدمة أو تلك في الدول الخليجية الشقيقة، ومن هنا تنبع أهمية انتقالنا للمدينة المالية الجديدة في مشيرب قلب الدوحة.

ويسعى المركز إلى جذب المزيد من الشركات الدولية والمحلية، مشيرًا إلى أن عدد الشركات القطرية المنضوية تحت مظلة المركز بلغت نحو 30 % من جملة الشركات.

ويسعى المركز إلى توفير بيئة عمل ملائمة من خلال تغيير شامل لأنظمة التكنولوجيا، وإنشاء فريق متخصص في العلاقات مع العملاء والتركيز القوي على تسهيل الشراكات معهم ومع مجتمع الأعمال المحلي. وتهدف الإستراتيجية إلى توسيع نطاق أنشطة مركز قطر للمال باعتباره جزءا أساسيا من إستراتيجية دعم التنوع الاقتصادي في دولة قطر، حيث تم وضع خطط في هذا المجال، وقد تم اتخاذ خطوات لتوسيع البيئة ومواءمتها مع احتياجات الدولة.

من جانبه قال رجل الأعمال السيد سعد آل تواه الهاجري إن إنشاء منطقة مالية وتجارية رائدة سيكون له انعكاس إيجابي على الاقتصاد القطري ويساهم في المجهود الذي تبذله مختلف الأطراف للمرور من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد مبني على قطاعات ذات قيمة مضافة عالية تجعل من قطر مركزا ماليا واقتصاديا مرجعيا في المنطقة والعالم.

ولفت الهاجري إلى ضرورة الإعداد الجيد لعملية الانتقال من خلال استقطاب كبريات الشركات العالمية التي تحقق الإضافة النوعية للاقتصاد القطري، داعيا إلى منح مناخ الاستثمار مزيد من الأولوية التي يستحقها، خاصة أن قطر حققت الكثير في هذا المجال.

وقال إن هذا التوجه نحو إرساء حي مالي متكامل يعكس التوجه في قطر لبناء اقتصاد متنوع يولي الميزات التفاضلية للدولة الأولوية التي يستحقها على مستوى الموارد البشرية التي تم الاستثمار فيها طول السنوات الماضية، والتي أفرزت كوادر وكفاءات عالية خاصة في المستوى المالي.

إحياء التقاليد المالية والاقتصادية لمشيرب

وأوضح الهاجري أن اختيار مشروع مشيرب قلب الدوحة لإطلاق هذه الفكرة من خلال نقل مقرات مركز قطر للمال يعد إحياء لمنطقة طالما شهدت ولعبت الدور المحوري للاقتصاد القطري في بعده المالي وانفتاحه على الخارج، قائلا: “نحن نتطلع اليوم إلى تعزيز هذا التصور من خلال بعث مركز وحي مالي يضاهي ما هو موجود في كبريات عواصم العالم، خاصة أن الاقتصاد القطري يحقق أعلى نسب النمو على مستوى الدولي بالإضافة إلى تحقيقه عديد من المكاسب على مستوى التنافسية العالمية وحصوله على المركز الثاني عربيا و18 دوليا في تصنيف منتدى دافوس الأخير.

ومن المنتظر أن يدفع انتقال مقرات مركز قطر للمال والشركات التابعة إلى مشيرب مؤسسات أخرى إلى النسج على منواله، على غرار البورصة وغيرها من المؤسسات المالية.

مزيج من الأصالة والوظيفة الاقتصادية

“مشيرب قلب الدوحة” هو المشروع الرائد لشركة مشيرب العقارية الذي يعيد إحياء الحي التاريخي لمدينة الدوحة ويحافظ عليه. تبلغ كلفة المشروع حوالي 20 مليار ريال قطري وسيعمل على إحياء الوسط التجاري القديم للمدينة من خلال لغة معمارية جديدة تعكس أجواء الحيّ الاجتماعي على مساحة تمتد على أكثر من 31 هكتارا (76 فدانا).

يمزج مشروع “مشيرب قلب الدوحة” الذي سيحتضن مقرات مركز قطر للمال بين التراث المعماري القطري وجماليات التكنولوجيا الحديثة، ويركز على الاستدامة والتجانس مع الطبيعة. ويهدف المشروع إلى إعادة السكان لجذورهم القديمة لجعل الدوحة مدينة فريدة في هذا المجال، كما يعيد استكشاف حسّ التواصل المجتمعي والتضامن بين أفراد المجتمع. ويجسد المشروع رؤية صاحبة السمّو الشيخة موزا بنت ناصر رئيس مجلس إدارة شركة مشيرب العقارية، والتي تتمثل في إيجاد بيئة تعبر عن الثقافة القطرية وتعكس طموح الشعب القطري. ويضم المشروع المتعدد الاستخدامات أكثر من 100 بناية مختلطة بين سكنية وتجارية، وكذلك مناطق ومساحات لتجارة التجزئة والترفيه والمرافق الثقافية. تشمل المرحلة الأولى “حيّ الديوان الأميري” الذي لا يزال حاليًا قيد الإنشاء ويضم مبان حكومية ومواقع أثرية ومتحف ومنتدى ثقافي والأرشيف الوطني ومصلى العيد.

يذكر أن “مشيرب العقارية” عقدت شراكات مع مجموعة من القادة والخبراء في الصناعة، بهدف الاستفادة من الهندسة المعمارية في الماضي ومزجها بأحدث التقنيات الصديقة للبيئة وذلك لإيجاد لغة معمارية ثرية تعكس الهوية القطرية الحقيقية.

واستخدمت اللغة المعمارية الجديدة لإنشاء المباني ذات الطبيعة المشتركة وتعيد إحياء التراث المحلي والثقافة المحلية من خلال لغة معمارية موحدة. ويمكن تلخيص مشروع مشيرب بجملة واحدة: “متجذر في الماضي ويتطلع إلى المستقبل”.

تعدّ الإستدامة من الأمور الأساسية في مشروع “مشيرب قلب الدوحة” فيما يتعلق بالمحافظة على الموارد الطبيعية وجودة التصميم. وتسعى الشركة إلى الحصول على التصنيف الذهبي لجميع المباني في المشروع من شهادات ليد LEED الرائدة في تصاميم الطاقة والبيئة، وهي شهادة اعتماد من تطوير المجلس الأمريكي للمباني الخضراء بينما تعمل على حصول بعض المباني على التصنيف البلاتيني. ويعتمد كامل المشروع على مبدأ الاستدامة بحيث يستهلك نسبة أقل من الموارد ويولّد نسبة أقل من النفايات وكذلك يحتاج إلى كلفة أقل للتشغيل ويقلل من انبعثات الكربون. وسيكون مشروع مشيرب معلمًا أيقونيًا في الدوحة ومدينة معروفة في العالم توفر للسكان مقومات معيشة وعمل وتطور.

ضرورة إستراتيجية

من جهته قال الخبير الاقتصادي عبد الله الخاطر إن انتقال مركز المال إلى مقراته الجديدة يوفر في حد ذاته حيزا أفضل وقدرات أفضل للمركز ومؤسساته التابعة وغيرها من الشركات التي تعمل تحت مظلته، مشيرًا إلى أن جاذبية الاستثمار مرتبطة بقدرة الدولة على جذب المستثمرين، قائلا: ” لقد حققت الدولة الكثير في هذا المجال فلديها إمكانات كبيرة خاصة في الصندوق السيادي، بالإضافة إلى الدعم الكبير لمختلف المؤشرات الاقتصادية خاصة على مستوى النمو والتوازنات المالية والموقع وهي أمور تساهم في خلق قطاع مالي قوي في الدولة”.

وقال الخاطر إنه من الناحية الإستراتيجية يعد هذا التوجه ضروريا لدعم جهود الدولة في تنويع الاقتصاد والاستفادة من المداخيل المتأتية من النفط والغاز وتحويلها إلى رؤوس أموال واستثمارات والتي تبقى في حاجة إلى مركز مالي قوي، قائلا: “هذا المركز سيوظف قدرات الدولة على المدى البعيد”. وقال إنه من المهم أن تبرز الدولة القطاع المالي في شكل مثالي بإرساء حي مالي على ما هو متعارف على المستوى الدولي، قائلا: “إن وجود قطاع مالي قوي أصبح ضرورة”.

على صعيد آخر تساءل الخاطر عن الخطوات التي يجب اتباعها لتحقيق هذا الهدف، وذلك من خلال تطوير التشريعات وتمكين المؤسسات المالية وإطلاق سياسات نقدية ومالية رشيدة، وإنشاء أدوات مالية حديثة، وفتح المجال أمام المستثمرين القطريين من أجل إطلاق شركات لإدارة الاصول والثروات وتوسيع هوامش التحرك والمناورة أمام البنوك القطرية.

وقال الخاطر إنه من الضروري الاستفادة من تجارب دول العالم التي حققت نجاحات في هذا المجال لاستلهامها، بحيث يكون للحي المالي القطري ميزاته القادرة على جذب الاستثمارات والشركات العالمية التي تساهم دون شك في بناء اقتصاد قطري صلب وقوي.

نشر رد