مجلة بزنس كلاس
تكنولوجيا

 

هذه هي المقالة الثالثة ضمن سلسلة مقالات “في الطريق إلى الجيل الخامس” التي تهدف إلى شرح تدرّج تقنيات الاتصالات منذ الجيل الأول وصولًا إلى تقنيات الجيل الخامس المُستقبلية. في المقالين الأول والثاني مررنا بشكلٍ سريع على أجيال تقنيات الاتصالات، بدءًا من الجيل الأول وحتى الجيل الرابع. وسنقوم اليوم بشرح مُبسّط لأحد أهم التطبيقات المُنتظرة من الجيل الخامس وهو إنترنت الأشياء.

في طريقنا إلى الجيل الخامس يمكننا أن نسأل: ما الذي يحرّك الباحثين في هذا المجال من ناحية الخدمات والتطبيقات؟ ما النزعات التي تحرّك الأفكار في هذا الموضوع. كثيراً ما يسأل المستخدم ما الشيء الجديد الذي سيحمله الجيل الخامس، وهل سيقتصر الأمر على رفع سرعة الاتصال فقط؟
حين يبدأ أيّ نقاش عن الجيل الخامس يتبادر إلى الذهن أهمّ تطبيق لها وهو أنترنت الأشياء.

انترنت الأشياء Internet of Things IoT
يمكن القول بثقة أنّ السنوات العشر الأخيرة في صناعة الاتصالات كانت هي سنوات التطبيقات Apps، فبعد إطلاق ستيف جوبز الجيل الأول من هاتف الآيفون في حزيران 2007، وبعده بعام ظهور الإصدار الأول لنظام التشغيل أندرويد، بدا من الواضح حينها أنّ السنوات القادمة هي سنوات الهاتف الذكي ولذلك فقد سادت حمّى تطوير تطبيقات الهواتف الذكية بين كبار الشركات العالمية مروراً بالشركات المتوسطة والناشئة وصولاً إلى المبرمجين الأفراد الذين استطاعوا بمفردهم تطوير وإطلاق الكثير من التطبيقات الهامة التي جلبت لهم ملايين الدولارات.

في العامين الماضيين عادت أنظار المستثمرين الذين يقودون صناعة الاتصالات لتتركّز نحو تقنيات الأجهزة نفسها وكيفية اتصالها بشكل أكبر بعد أن كان التركيز منصبّاً على تطوير التطبيقات والطبقات العليا لأنظمة الاتصالات في السنوات الماضية. لذلك تم استحضار المصطلح الذي كاد أن يُنسى “انترنت الأشياء” بعد كان مطروحاً منذ آخر القرن المنصرم.
ففي العام 1999 اقترح العالم ورائد التقنية البريطاني كيفين آشتون Kevin Ashton من معهد ماساشوستس Massachusetts MIT فكرة ربط الأشياء ببعضها عن طريق شبكة الانترنت، والمقصود بالأشياء هنا ليس الأجهزة الالكترونية فحسب بل أي شي يمكن أن يُضاف له مختلف أنواع الحسّاسات التي تعطي القياسات (كحسّاس الحرارة) أو المتحكّمات التي تنفّذ الأوامر (كالأقفال الالكترونية) أو كلاهما، أي باختصار كلّ جهاز اتصال متفاعل مع البيئة المحيطة.

إذا أردنا تبسيط الفكرة، يمكننا اليوم أن نرى تطبيقاً مشابهاً لانترنت الأشياء ويتمّ استخدامه بشكل واسع منذ بداية العقد الحالي، حيث انتشرت تقنية RFID Radio-Frequency Identification في معظم المتاجر الكبيرة، وتتيح هذه التقنية مراقبة السلع المسروقة أثناء الخروج من باب المتجر، إلا أنّها تعمل على شبكة محلية صغيرة وبمجال لاسلكي لا يتجاوز بضعة أمتار كما أنّ الدارة المرتبطة بكل سلعة غالباً ما تكون دارة غير فعالة circuit Passive -وتسمى رقاقة Tag- أيّ أنها لا تحوي على جهاز إرسال ولا تتطلّب تغذية كهربائية فهي تقوم فقط بعكس الإشارة المرسلة من جهاز القراءة بطريقة تعرّف بها عن نفسها لتمييز السلعة(1)، وتُستخدَم ذات التقنية في عدّة تطبيقات أخرى كمراقبة دوام موظفّي الشركات الكبرى وغير ذلك، لكنّ الفرق الجديد الجذري مع تقنية انترنت الأشياء المفترضة مستقبلاً هو وجود نظام اتصالات محمول كامل على كلّ جهاز بدءاً من الدارة الفيزيائية وصولاً إلى التطبيقات والبرامج الذكية التي تقود الاتصال ومعالجة البيانات عبر الشبكة العالمية وليس ضمن شبكة محلية محدودة.

RFID

صورة رقاقة RFID يمكن أن توضع على السلع المختلفة كالملابس

وعلى الرغم من بساطة الفكرة الأولية، إلّا أنّه لم يصدر أيّ تعريف معياري محدّد لانترنت الأشياء من الهيئات المعيارية لأنّ المفهوم بحاجة للمزيد من الوقت والنقاش حتّى النضوج، لكنّ الشركات الكبرى أعادت صياغة الفكرة الأولية ووضعت لها بعض الشروط/التوقعات:

أن تكون الأشياء مرتبطة ببعضها على مستوى شبكة الانترنت وليس فقط على مستوى الشبكات المحلية الصغيرة والمتوسطة.
أن تشمل انترنت الأشياء كافة الأجهزة الالكترونية وأهم الحاجيات الشخصية والملابس والأحذية والحيوانات.
أنّ الجزء الأكبر من هذه الأشياء ستقوم بالتخاطب فيما بينها بشكل آليّ حيث تقوم بالإرسال والاستقبال دون تدخّل بشري أو ضمن حدوده الدنيا.
أن تكون لحالات الاستخدام الحرجة كالاستخدامات الطبية والأمنية قدر من الدعم الاحتياطي كوجود جهاز ثاني للإرسال والاستقبال.
أدّى تحديد هذه الخطوط العريضة التي ترسم ملامح انترنت الأشياء إلى زيادة هائلة عند تقدير أعداد أجهزة الاتصال التي ستزودها شبكة الجيل الخامس بالخدمة في العام 2020، حيث توقّعت شركة Gartner (وهي شركة رائدة في أبحاث سوق الاتصالات والتكنولوجيا) أنّه في العام 2020 ستصل عدد أجهزة انترنت الأشياء إلى حوالي 25 مليون جهاز(2)، في حين كانت زميلتها BI Intelligence أكثر تشاؤماً -أو ربّما تفاؤلاً- حيث قاربت تقديراتها حوالي 35 مليون جهاز بزيادة هائلة قدرها أربعة أضعاف خلال الخمس أعوام القادمة، كما يبدو في الشكل أدناه(3).
عدد أجهزة انترنت الأشياء المتوقع في عالم لغاية 2020
هذه الزيادة الهائلة في عدد المستخدمين مقارنة بالأجيال السابقة يمكن أن تفسّر بالشكل التالي:
في العقود المنصرمة، كانت الاتصالات النقّالة خاضعة لطبيعة النشاط البشري وليس لقرارات الأجهزة الآلية، أي أنّ المستخدم الهدف هو الإنسان، ولذلك فقد كان سلوك الحِمل على الشبكة Network Load موافقاً لنماذج الاستخدام البشري لهواتف (مثلاً اعتماد تقدير لعدد دقائق التحدّث للمستخدم في الساعة الواحدة عند تصميم الشبكة، سلوك المستخدم حين يعمل على الهاتف الذكي أو الحاسب اللوحي)، وكان الاتصال من آلة إلى آلة Machnine to Machine M2M communication لا يشكّل سوى نسبة بسيطة من عدد الأجهزة ومن حجم البيانات المتبادلة عبر شبكة النظام الخليوي، إلّا أنّ ذلك سيتغيّر مع تطبيق تقنية انترنت الأشياء المستقبلية والتي ستفرض زيادة معتبرة في هذه النسبة.

أمثلة على استخدامات انترنت الأشياء
إنّ أوضح تطبيق لانترنت الأشياء عملياً هو المنزل الذكي (والمنشآت الذكية بشكل عام)، لكنّ تطبيق هذه التقنية يمتدّ حقيقةً إلى كافة مجالات الحياة كالصحّة والنقل والأمن والتواصل والصناعة والخدمات الشخصية. مثلاً:

سيارتك ترسل لك رسالة بأنها بحاجة اليوم إلى وقود لأنّها تعرف من جدول أعمالك أنّك ستافر برحلة طويلة غداً.
برّادك يخبرك أنك نسيت بابه مفتوح أو أنّ هناك سلعة أنت معتاد عليها نفذت وحتّى يمكن أن يطلبها من المتجر الالكتروني بشكل آلي.
تفتح تطبيق البحث عن الأشياء على هاتفك لتعرف أين نسيت نظارتك أو مفاتيحك أو محفظتك.
مرآتك التي تقف أمامها خمس دقائق كلّ صباح من الممكن أن تظهر لك على طرفها أخبار اليوم وأحوال الطقس وجدول المهام.
ساعة أو سوار يراقب بعض القياسات الحيوية للجسم كمعدّل نبضات القلب وضغط الدمّ ونسبة السكّر فيه ويرسل القياسات بشكل دوري إلى قاعدة بيانات يشرف عليها الطبيب كما تقوم الساعة بالاتصال آلياً بالإسعاف عندما تصل قيم هذه القياسات إلى عتبات خطيرة.
تركيب جهاز اتصالات ضمن كلّ سيّارة لترسل معلومات المرور إلى مراقب مركزي لفتح وإغلاق إشارات المرور ووضع حدود للسرعة وتسهيل مرور سيارات الإسعاف وغير ذلك ممّا يدعم اعتماد السيارات الذكية بشكل أوسع وأكثر وثوقية كالمثال في الشكل.
ضبط سرعة السيارات الذكية وزيادة فعالية الطرق باستخدام انترنت الأشياء (4)
يمكن للقارئ أن يلاحظ أنّ بعض من هذه السيناريوهات والتطبيقات موجود حالياً بشكل عمليّ إلا أنّها لا زالت ضمن نطاق محدود وعلى مستوى الشبكة المحلية فمن النادر أن نراها تصل إلى شبكة الانترنت، وإن حدث فإنّ الاتصال يتم عن طريق شبكة WiFi وليس عن طريق شبكة الهاتف المحمول.

على العموم بعض المواقع بدأت باقتراح -بل وتسويق- الأجهزة التي من الممكن ربطها عن طريق انترنت الأشياء (5).

التحدّيات والمعوقات
الكلفة الاقتصادية: يعتبر الوصول إلى جهاز اتصال رخيص الثمن من أهمّ التحديات التي تواجه صانعي التقنية اليوم، فالانتشار المتوقّع لانترنت الأشياء سيكون مشروط بشكل كبير بمدى قدرة الصانعين على إنتاج جهاز اتصالات غير مكلف وقادر على التفاعل مع البيئة المحيطة من خلال حسّاسات ومتحكّمات كما ذكرت سابقاً.
الأمان والوثوقية: ثاني أهم العوامل التي ستؤثر بمدى انتشار انترنت الأشياء هو الوثوقية التي ستقدّمها هذه التقنية لنستطيع الاعتماد عليها في تطبيقاتنا الحياتية وخاصة ما يتعلق بالصحّة والأمن.
المعيرة Standardisation: لا زال النقاش قائماً حول الحاجة إلى وجود معيار شامل وأوحد لانترنت الأشياء، البعض يرفض ذلك والآخر يؤمن أنه حتمي في حين أنّ يقترح وسطيون وجود عدّة معايير مرنة وغير مقيّدة بدقّة كاملة في هذه التقنية.
الخصوصية: من أهم التحديات التي تجابه تطوير انترنت الأشياء هو الحرص على خصوصية المستخدمين وضمان سرّية معلوماتهم الشخصية كاملةً، وهو أمر له بعد اجتماعي عميق في السوق كون هذا العامل قد يدفع المستخدم للإحجام عن استخدام التقنية بشكل واسع، وكمثال مشابه جداً لعلّ القارئ يستذكر شركة سامسونغ العام الماضي وهي تحذر مستخدمي تلفزيوناتها الذكية من التحدّث أمامها بأحاديث شخصية لأنها تحوي ميزة الأوامر الصوتية التي تنقل ما يلتقطه المايكروفون إلى شبكة الانترنت بشكل دائم.
سنّ قوانين ملائمة: يستدعي تطبيق بعض التقنيات التي تمنح المجتمع خدمات ثورية شاملة سنّ قوانين ملائمة لتستوعب أثر هذه الخدمات في بعدها الاجتماعي العميق. على سبيل المثال، حين ظهرت خدمة مكالمات الفيديو والهواتف ذات الكاميرات احتدم النقاش القانوني عن مدى اعتبار هذه المكالمات انتهاكاً لخصوصية مستخدميها أو عن إمكانية التنصّت عليها أو اعتبارها دلائل قانونية تصلح في المحاكم. في حالة انترنت الأشياء المشكلة أكبر وأعقد، فمثلاً من سيتحمل المسؤولية القانونية حين يحدث خطأ ما في هذه التقنية يؤدّي إلى حادث مروري أو ضرر شخصي أو حتّى معنوي؟

نشر رد