مجلة بزنس كلاس
قطر اليوم

تفضل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، فشمل برعايته الكريمة افتتاح دور الانعقاد العادي الخامس والأربعين لمجلس الشورى بمقر المجلس صباح اليوم.
حضر الافتتاح صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
كما حضر الافتتاح سمو الشيخ عبدالله بن حمد آل ثاني نائب الأمير وسعادة الشيخ عبدالعزيز بن خليفة آل ثاني وسمو الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني الممثل الشخصي للأمير وسمو الشيخ عبدالله بن خليفة آل ثاني وسعادة الشيخ جاسم بن خليفة آل ثاني.
وحضر الافتتاح أيضا معالي الشيخ عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، وعدد من أصحاب السعادة الشيوخ والوزراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدين لدى الدولة والأعيان.
وقد ألقى سمو أمير البلاد المفدى خطابا بهذه المناسبة فيما يلي نصه:
 “بسم الله وعلى بركته سبحانه، أعلن افتتاح الدورة الخامسة والأربعين لمجلس الشورى.
حضرات الأخوة الكرام أعضاء مجلس الشورى، أهنّئكم بافتتاح الدورة الجديدة لمجلسكم الموقر وبداية فصل تشريعي جديد، نثق في أنه سيكون دفعةً كبيرةً في مجال تطوير تشريعاتنا لتستجيب لمتطلباتنا الوطنية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفي معاونة الحكومة بالرأي السديد على تنفيذ خططها وبرامجها السنوية والمستقبلية لإنجاز وتنفيذ رؤية قطر الوطنية في الوقت المحدد لها وتحقيق أهدافها.
الأخوة الكرام، ودّعنا قبل أيام المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الأب الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، الذي فقدنا برحيله واحداً من أبرز قادتنا وبناة قطر الحديثة المتمسكة بقيمها وتقاليدها العربية والإسلامية الأصيلة. ولا يتسع المجال لذكر منجزات فقيدنا الكبير، وقد قيل فيها الكثير في الأيام الأخيرة، لكن ذكراه العطرة باقية في عقول وضمائر القطريين جميعا. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، ورحم موتانا جميعا، وشهداء هذا الوطن وهذه الأمة.
وأتقدم بالشكر إلى كل من واسانا وعزّانا في هذا المصاب.
الأخوة الكرام أعضاء مجلس الشورى، يظل الشأن الاقتصادي محل اهتمامنا الأول، ولا سيما في ضوء الظروف التي فرضها الانخفاض الحاد في أسعار المواد الهيدروكربونية، مع إصرارنا على المضي في خططنا التنموية لتحقيق الأهداف التي رسمناها في رؤية قطر الوطنية.
وفي هذا الصدد، فإن واقعًا جديدًا تظهرُ ملامحُه في صناعة الطاقة العالمية نتيجةً للتطورات التكنولوجية المتسارعة التي أدت إلى زيادة إنتاج النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة، وما تبع ذلك من انخفاض حاد في الأسعار في أسواق الطاقة العالمية.
كما ضغط تراجع معدلات النمو في أسواق مهمة للطاقة على الأسعار بتخفيض الطلب مع زيادة العرض. وتشير التوقعات إلى استمرار حالة من عدم اليقين في تلك الأسواق.
وأصارحكم القول إنه رغم أننا كنا نتوقع أن أسعار الطاقة المرتفعة لن تدوم، وقد تبنينا رؤية قطر الوطنية استعداداً لذلك اليوم الذي نستطيع فيه تحقيق التنمية المستدامة لتنويع مصادر الدخل وتجنب الاعتماد الحصري على النفط والغاز، إلا أن أحدًا لم يتوقع حدة الانخفاض وسرعته.
وعلى الرغم من الانخفاض الحاد في أسعار النفط والغاز، حقّق الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة خلال عام 2015 نمواً سنوياً بلغ نحو 3,6 % مقارنة بمتوسط معدلات النمو للدول المصدرة للبترول في الشرق الأوسط الذي كان 1.9% وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي.
وقد حافظت قطر على تصنيفها الائتماني وهو من بين الأعلى في العالم. كما واصلت تحقيق مراكز متقدمة في مؤشرات التنافسية العالمية. فقد جاءت في المرتبة 18 عالمياً في أحدث تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي وفي المرتبة الثانية في منطقة الشرق الأوسط.
الأخوة الكـرام، لا نريد من خلال طرح هذه الأرقام أن نقلل من التأثيرات السلبية للأزمة الحالية في سوق الطاقة على اقتصادنا، بل نريد أن نبين بالأرقام واقعا موضوعيا وهو أن اقتصادنا ما زال متيناً ويتمتع بدرجة عالية من الثقة من قبل مؤسسات التقييم العالمية. وهذا إنجاز بحد ذاته في هذه الظروف.
ولمواجهة الآثار السلبية لهذه التطورات، علينا أن نستمر في تنفيذ عملية التنمية التي بدأناها بإصدار رؤية قطر الوطنية 2030 في عام 2008، واستراتيجية التنمية الوطنية الأولى 2011-2016. ونحن الآن بصدد إصدار استراتيجية التنمية الوطنية الثانية 2017-2022.
علينا أن نكثف الجهود التي بدأناها خلال تنفيذ استراتيجية التنمية الوطنية الأولى، وأن نعتمد في ذلك على تقييم موضوعي ومعمَّق لتلك الاستراتيجية ومواطن القوة والضعف.
وبشكل أكثر تحديداً يمكن تلخيص محاور استراتيجية قطر الوطنية الثانية فيما يلي: أولاً: تحديد المعوّقات التي أدت إلى عدم تنفيذ بعض البرامج والمشاريع في استراتيجية التنمية الوطنية الأولى واستخلاص العبر من أجل تجنبها.
ثانياً: توفير الاستمرارية الضرورية لإتمام المبادرات ومشاريع البنية التحتية الجاري تنفيذها والمشروعات الكبرى، بما في ذلك منشآت مونديال قطر 2022 بما ينسجم مع رؤية قطر 2030.
ثالثاً: مراجعة أولويات التنمية في ضوء ما أسفرت عنه استراتيجية التنمية الوطنية الأولى والتطورات العالمية الجديدة.
رابعاً: التعرف على الفرص المتاحة لتنفيذ برامج ومشاريع جديدة تتماشى مع الأولويات القطاعية والوطنية.
خامسا: إنجاز مشاريع التعليم والصحة بحيث يلبيان حاجات المواطنين كما وكيفا، مع الارتقاء إلى أعلى المستويات العالمية. نحن ننطلق في مجالات التنمية البشرية الرئيسية هذه من مسؤولية الدولة أولاً، إلاّ أننا استنتجنا ضرورة الاستفادة من التفاعل البناء بين القطاعين الخاص والعام في هذا المجال.
سادسا: إزالة العوائق البيروقراطية أمام الاستثمار. لقد وعدت الحكومة بتنفيذ إجراء توحيد المعاملات والنافذة الواحدة في نهاية العام الحالي، وننتظر منها المزيد من الخطوات في إزالة المعوقات والتعقيدات أمام الاستثمار.
سابعا: تحفيز القطاع الخاص وتوجيهه نحو القطاعات الأكثر إنتاجية، أو الخَدَمية الإنتاجية، التي تتفق مع توجهات الرؤية الوطنية.
ثامناً: الانتقال من حالة التلقي الكامنة في سياسات الرعاية الاجتماعية البسيطة إلى حالة الفعل، من خلال تمكين جميع فئات المجتمع من المشاركة في التنمية الوطنية.
تاسعاً: المراجعة المستمرة لتعرفة ورسوم العديد من الخدمات والسلع لتعبر بشكل أفضل عن تكلفتها الاقتصادية، وتوجيه الدعم نحو الفئات التي تحتاجه وبشكل لا يؤدي إلى الإسراف والتبذير.
عاشراً: تطوير وتحديث مؤسسات القطاع العام بهدف الوصول إلى قطاع عام متميز يتمتع بالكفاءة والشفافية ويخضع للمساءلة.
إن تطبيق هذه العناصر يتطلّب تطويراً لثقافة التخطيط والعمل والإنجاز. كما أن توفير المال اللازم لتنفيذها يتطلب تغييراً في الثقافة الاستهلاكية وفي التعامل مع الثروة، ومقاربةً تجمع ما بين التوقعات من الدولة والتوقعات من المواطن المنتمي لهذا المجتمع، ولهذا الوطن.
وأحيانا، أيها الأخوة، حين أرى لافتات معلقة في الشوارع كتب عليها “قطر تستحق الأفضل” أقول إن الأصح أن يكتب “قطر تستحق الأفضل من أبنائها”، وثمة تحديات لا بد من التعامل معها متعلقة بدوافع الشباب وقيمه وتأثير الثقافة الاستهلاكية على هذه الدوافع والقيم. فبدونها لن يكون بوسعنا أن نتقدم، والثروة وحدها لا تكفي. المواطنة انتماء، وتتضمن حقوقاً من الدولة وواجبات تجاه المجتمع والدولة.
لقد حققنا بعض الخطوات المهمة في تطبيق الخدمة الوطنية، ويفترض أن نقيم التجربة للاستفادة منها قبل التقدم نحو تطوير هذه التجربة التي تحتاجها الدولة ويحتاجها المجتمع والشباب القطري. علينا في قطر أن نعرف واقعنا.
لقد أنجزنا الكثير ويمكننا أن ننجز أكثر، ولكن علينا أن ننطلق من الواقع القائم وليس من التمنيات.
حضرات الأخوة أعضاء مجلس الشورى، لقد استفدنا من انخفاض الأسعار في اكتشاف إمكانيات الترشيد في الإنفاق، والتمييز بين الضروري وغير الضروري، والمفيد وغير المفيد. وسيستمر العمل على زيادة كفاءة الإنفاق العام وتعزيز الشفافية والرقابة من خلال المتابعة الوثيقة لكافة المشاريع والبرامج الحكومية والتركيز على المشاريع التنموية الكبرى.
لقد تعزّز التنسيق بين السياسات المالية والنقدية لتجنّب التضخم ومواجهة ضغوط السيولة وتعزيز القطاع المصرفي.
كما قامت الدولة بمبادرات هامة وجهودٍ كبيرة لتعزيز القطاع الخاص وزيادة مشاركته في النشاط الاقتصادي، نذكر منها: أولاً: تطبيق قانون المناقصات الحكومية الجديد الذي يسمح باستثناء المشاريع الصغيرة والمتوسطة من بعض المتطلبات الخاصة بالمناقصات الحكومية ومنها الضمانات المالية.
ثانياً: تحديث قوانين وتشريعات التجارة لتحرير بعض السلع والخدمات من احتكار الوكلاء التجاريين والسماح لغير الوكيل باستيرادها. وتعمل الحكومة على تحرير قطاعات أخرى في المستقبل بهدف تشجيع المنافسة.
ثالثاً: تحديث القوانين والتشريعات المتعلقة بالشركات وأسلوب إعداد تقاريرها المالية بما يتفق مع المعايير الدولية.
رابعاً: العمل على الانتهاء من إعداد قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، وسيمكن هذا القانون من إعطاء المشاريع الحكومية إلى القطاع الخاص، وضمان تنفيذها بجودة عالية وتكلفة منخفضة.
كما أنه سيساعد على ترويج الاستثمار الأجنبي في دولة قطر. خصوصا في المرحلة الراهنة، والتي نستثمر فيها في البنية التحتية، ومن الصعب توفير المال لكل المشاريع التي نريد القيام بها بموجب الخطة الاستراتيجية.
خامساً: قيام بنك قطر للتنمية بنشاطات متعددة لتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة تشمل التمويل المباشر وغير المباشر.

سادساً: تطوير مجمعات سكنية ضخمة للعمال في المنطقة الصناعية والمناطق الاقتصادية واللوجستية.
وفي مجال البنية التحتية تكثفت نشاطات تطوير شبكة مشاريع لطرق سريعة في جميع أنحاء البلاد. فقد أنجزت سبعة مشاريع ويجري حالياً تنفيذ خمسة عشر مشروعاً وسيتم تنفيذ ستة مشاريع أخرى بتكلفة إجمالية قدِّرت بستين مليار ريال قطري، ومن المقرر أن تكتمل هذه المشاريع جميعها قبل عام 2022.
حضرات الأخـوة، في الوقت الذي نعمل فيه لتقليل الاعتماد على النفط والغاز في فعالياتنا الاقتصادية ونسعى لتحقيق التنويع الاقتصادي، سنظل نولي قطاع الطاقة الاهتمام الكافي كمصدر هام لتوسيع قاعدتنا الاقتصادية.
ولذا فإن نشاطاتنا في هذا القطاع ما زالت قائمة على عدة أصعدة مع التركيز على المشاريع الاستكشافية في الخارج وفي الداخل. وتماشياً مع رؤية قطر الوطنية في الحفاظ على البيئة، فقد تم افتتاح مشروع لاسترداد الغاز المتبخر أثناء الشحن في ناقلات الغاز المسال لتخفيض انبعاثات الكربون، وهذا المشروع هو أكبر مشروع من نوعه في العالم.
كما شرعنا بتطوير مشروع لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية بقدرة 200 ميغاوات في المرحلة الأولى تزيد لـ500 ميغاوات بعد ذلك.
الأخوة الكرام أعضاء مجلس الشورى، قامت الدولة بخطوات مهمة لترشيد الإنفاق، وسيكون عليها أن تجمع بين تطوير قطاع عام حديث ومتميز معياره الرئيسي هو النجاعة، وتشجيع القطاع الخاص، وذلك من أجل تنفيذ المشاريع والبرامج التي تحدّدها الاستراتيجيات الوطنية التي تهدف لتحقيق الازدهار المستدام لدولة قطر. ولكن عملية التنمية هذه لن تنجح إلا بتعاون الجميع، وأخص بالذكر هنا موظفي القطاع العام ورواد الأعمال في القطاع الخاص.
على الموظف في القطاع العام عدم التهاون في أداء متطلبات العمل، فالعمل حق، لكن أداء الوظيفة المطلوبة واجب. فحق المواطن علينا هو التعليم والتدريب والتأهيل للعمل وحقنا عليه هو أداء عمله على أحسن وجه، وإنجاز مهامه بالوقت المحدد والدقة المطلوبة والنزاهة التامة، وبصفته مواطناً فإن عليه واجباً إضافياً هو الارتقاء بالعمل والاعتزاز به وتحقيق رسالته في خدمة المجتمع والدولة.
ولرواد الأعمال أقول إن الدولة تتوقع مقابل المزايا التي يفترض أن تقدمها للقطاع الخاص مردوداً يساعد على وضع عملية التنمية في مسارها الصحيح بالقيام بالمبادرات الوطنية الجريئة والمشاركة الفعلية لا الإسمية مع الشركات الأجنبية ذات الشهرة العالمية لنقل التقنية وتشجيع التميز والابتكار وخلق قطاع خاص مبدع وقادر على المنافسة عالمياً وملتزم بقيم الرؤية الوطنية ومنها تشجيع العمالة القطرية، والحفاظ على البيئة.
حضرات الأخـوة، وفيما يتعلق بسياستنا الخارجية فإن دعم مجلس التعاون لدول الخليج العربية وتعزيز وتطوير العلاقات بين دولنا الشقيقة يتبوأ صدارة أولوياتنا، خاصة في ظل ما يشهده العالم من تطورات بالغة الخطورة قوضت استقرار العديد من الدول في منطقتنا العربية وأمنها.
وبالنسبة لأمن منطقة الخليج وانطلاقاً من مبادئنا الثابتة فإننا ندعو إلى حل الخلافات بالحوار الهادف والبنّاء في إطار الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
لم تتقاعس قطر أبداً عن القيام بالدور الذي يمليه علينا الانتماء العربي والإسلامي، في الدفاع عن قضايا أمتينا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. ولن نتقاعس مستقبلا إن شاء الله.
وبالنسبة للأزمة السورية، فإننا نؤكد على موقفنا الداعم لحقوق الشعب السوري في حل سياسي شامل وعادل ينهي معاناة هذا الشعب المنكوب ويضمن وحدة سوريا واستقرارها.
لقد هددت ظاهرة الإرهاب والتطرّف بكافة أشكاله استقرار وأمن العالم وأودت بحياة الأبرياء، واستنفرت المجتمع الدولي، بما فيه دولة قطر، لمكافحة هذه الظاهرة.
ومن غير المتصور القضاء على الإرهاب أو التطرف بدون اجتثاث جذورهما الحقيقية من خلال منح الأمل للشباب، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز حقوق الإنسان وترسيخ قيم التسامح والابتعاد عن الطائفية بكافة صورها وعدم ازدواجية المعايير.
وفي المجال الإنساني، وانطلاقاً من ثوابتنا الراسخة وقيمنا الأصيلة ستواصل دولة قطر دورها الفاعل في تبني المبادرات التي تخدم البشرية وتقديم المساعدات الانسانية من أجل تخفيف الضرر والمعاناة على المنكوبين في كل بقاع الأرض.
حضرات الأخوة أعضاء مجلس الشورى، إن أمامنا في السنة المقبلة مهام أساسية يتعين علينا إنجازها بنفس العزم والاصرار. وإنني لعلى ثقة بأننا، بمساهماتكم القيمة سنمضي على الطريق الصحيح لتحقيق الأهداف التي نصبو إليها.
وفقكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.

نشر رد