مجلة بزنس كلاس
أخبار

أمل جديد لمرضى التوحد يمكنهم من التكيف مع محيطهم بخطوات أسرع من ذى قبل، مصدر هذا الامل ليس عاصمة غربية او مركز ابحاث عالمى كما هو الحال مع اي اكتشاف جديد، وانما هذه المرة من قلب الدوحة، وتحديدا من مضمار مركز نوماس للفروسية، حيث توصلت المواطنة الشابة مها مطر الكواري المدربة بمركز نوماس للفروسية التابع لوزارة الثقافة والرياضة الى تجربة جديدة وفريدة من نوعها، تربط ما بين مريض التوحد والخيل، وقد نجحت نجاحا منقطع النظير في تغيير سلوك مجموعة من الاطفال المتوحدين واكسابهم مهارات حياتية عديدة فى زمن قياسي.

ولكن ما علاقة الفروسية بمرض التوحد؟ وإلى أي حد نجحت تجربة علاج اطفال التوحد بممارسة رياضة الفروسية؟ وكيف يمكن قياس هذا التقدم بصورة علمية تتيح اعتماد هذا العلاج ومن ثم نسبته إلى صاحبته؟ هذه الأسئلة وغيرها تجيب عنها الفارسة مها الكواري في السطور التالية:

علاقة الإنسان بالخيل

تقول مها الكوارى: هناك علاقة وطيدة بين الخيل والانسان، معروفة منذ قديم الزمان، فالخيل بخلاف الحيوانات الأخرى تتمتع بروح العزة والكرامة، ولها نبل خاص، يتسرب إلى نفس الفارس من حيث لا يدري، في علاقة يصعب تفسيرها؛ لتتطبع صفاته بصفاتها.

واستطردت الكواري قائلة: ثمة علاقة قوية تجمع البشر بالخيول، وتترك أثرا قويا في سلوكهم وتكوينهم النفسي، وهذا ما لاحظته بنفسي، فالأطفال المصابون بالتوحد الذين أدربهم بعد فترة من مرافقة الخيل، تنشأ بينهم علاقة صداقة وطيدة جداً، حتى أن بعض الأطفال بدأوا يحتضنون الخيول، ويقبلونها، ماسحين خدودهم بها، بعد أن كان تواصلهم مع العالم الخارجي معدوما”، وتتابع الكواري: “هناك مشاعر ما بداخلي لا أستطيع ترجمتها ولا أعرف كيف أعبر عنها بالتحديد، ولكن ما استطيع التأكيد عليه هو ان العلاقة العميقة والسمات المترابطة بين الخيل والإنسان، دليل على وجود رابطة ما قوية، يمكن تطويعها، لتقوية العلاقة بين الخيل ومريض التوحد، وخلق المناخ الملائم بينهما لتحسن النمو السلوكي للمتوحدين.

وتستطرد مها الكواري: “الخيل نفسها تعامل أطفال التوحد على نحو يختلف عن البشر العاديين، ألاحظ في أوقات كثيرة أن الخيول تداعب الأطفال بشكل خاص، دون غيرهم، وتصدر أصواتاً ودودة تجاههم فقط، وتهرول نحوهم عندما يحضرون للتدريب، وكأنها تعلم أنها تشارك في مهمة إنسانية من طراز فريد “.

استجابة سريعة

وتؤكد الكوارى ان هذه المؤشرات دفعتني لأكثف جهودي البحثية – وهي اجتهادات شخصية بالمناسبة وليست تحت مظلة مؤسساتية اكاديمية – في ما يخص سيكلوجية الخيول وانعكاساتها على مرضى التوحد”، بعد أن علمت أن هذه التجربة الناجحة، غير مطبقة إلا في بعض الدول المتقدمة فقط (ألمانيا -الدانمارك -أستراليا -الولايات المتحدة الأمريكية)، ولا توجد تجارب مماثلة على نطاق منطقة الشرق الاوسط.

وتمضي الكواري في حديثها لتخبرنا أنها في هذه التجربة لاحظت أن سلوك الأطفال النفسي والحركي، يستجيب بشكل جيد لتجمعات الأطفال حول هواية مشتركة، مع حيوان يصنف من فئة الكائنات النبيلة، وهذا ما خلق أجواء تفاعلية من التواصل بين التوحديين حيث بدأوا يستجيبون للأوامر بشكل أفضل، ويستوعبون أدوات التواصل البشري على نحو طبيعي، كما أن بعض السلوكيات العدوانية بدأت تختفي تماماً، بالإضافة الى تغلب بعضهم على حالة البكم التي كانت تسيطر عليهم، كذلك شعورهم بتحمل المسؤولية، فقبل بدء البرنامج يخصص لكل طفل فرس، يكون هو المسؤول الأول عنه، أغلبهم وصلت حالة العناية بخيولهم الى حد أنهم يطعمونها بأنفسهم، ويرافقونها إلى محل نومها، والبعض الآخر وصل الى درجة رفضه ترك حصانه.

فرسان التوحد

وعن تطلعات المستقبل تقول الكواري: أعداد الاطفال آخذة فى الازدياد، بعد أن نجحنا في تشكيل فريقنا الحالي، الذي يضم مجموعة أطفال تتراوح أعمارهم بين 5-12 عاماً، ومن ثم أصبحت الفكرة مع ازدياد الأطفال أكثر تشابكاً وعمقاً، بسبب اختلاف الحالات، وطبيعة مرض التوحد نفسه، لأن كل حالة تختلف تماماً عن الحالة الأخرى، وهذا ما يستوجب اخذه في الحسبان.

وقالت إن مركز نوماس يسعى للتعاون مع مراكز التوحد المتخصصة، للاستفادة من المجهود العلمي التخصصي، وتشكيل فريق متكامل من شقين، أحدهما بحثي متخصص والآخر تنفيذي محترف، وهذه واحدة من الرؤى المستقبلية. ولابد أن يقوم البرنامج على أساس علمي مؤصل، للوصول لنتائج دقيقة، تؤهلنا مستقبلاً الى تأسيس أول مركز مختص لتأهيل أطفال التوحد بالفروسية، ويكون هو الأول من نوعه في المنطقة والشرق الأوسط، هذا على صعيد تطوير المبادرة، أما بخصوص تخريج أبطال توحديين، وتأهيل ودمج تلك الفئة، فتؤكد مها الكواري أن هناك أطفالاً متوحدين، لديهم خامة الأبطال، متحكمين بنواصي الفروسية تماماً تفوق أحياناً أقرانهم الطبيعيين، فأطفال التوحد يتمتعون بقدر كبير من الذكاء والتطور العضلي -في بعض الحالات-، ومؤهلون جداً لأن يصبحوا أبطالاً في المستقبل، ويهدف مركز نوماس الى تخريج أول دفعة من أطفال التوحد القطريين تحترف رياضات الفروسية، وتأهيلهم للمنافسة على المستوى الدولي.

بيوت المتوحدين

تروي أم ناصر النعيمي وهو أحد الأطفال المتوحدين المنضمين حديثاً لبرنامج الفروسية التأهيلي لأطفال التوحد، أن إدارة المدرسة اضطرت للاتصال بها عندما لاحظوا تطورا كبيرا وطارئا على سلوك ناصر خلال الشهر الأخير فقط، اتصلوا ليعرفوا التفاصيل، لدراسة حالته كنموذج ناجح في برنامج الدمج المدرسي، وتشهد أم ناصر أيضاً على أن ثمة تغيرا ملحوظا في المنزل، في ما يتعلق بتحمله للمسؤولية وصفاته القيادية الآخذة بالتشكل على نحو منضبط خلال شهر واحد فقط.

ناصر طفل في الصف السادس الابتدائي، يعاني من صعوبات في التعلم، وضعف في الكلام، وبعض أعراض مرض التوحد الأخرى، التحق ببرنامج الفروسية التأهيلي لينقلب حاله رأساً على عقب، بعد شهر واحد تعززت سلوكياته التي وصفتها أمه بالنبيلة والمشابهة تماماً لصفات الخيل، كما حدث تطور فى التواصل البصري والشفهي، وتقلصت مخاوفه من العالم الخارجي والتواصل مع الغير.

تطورات إيجابية

أم حمدان راشد تحكي لنا أيضاً تجربتها بعد تطور سلوك ابنها الذي لا يزال يدرس في الصفوف التمهيدية، ويعاني من فرط الحركة، وضعف التركيز، في البداية كان الأمر لا يحتمل، سواء في المنزل أو خارجه، ولكن بعد قرابة ثلاثة أشهر من برنامج الفروسية، أصبح أكثر هدوءا وأكثر ذكاءً، ويستجيب لكلام المحيطين به، ويتفاعل معهم، هذا التطور لم ألحظه إلا بعد مخالطته للخيول، والأمر يدفعني الى أن أستمر مع حمدان في هذا المجال، إلى أن يصبح بطلا ويقهر التوحد.

على بعد أمتار قليلة كانت أم محمد المري تنظر إلى ابنها وهو يلامس لأول مرة حصانه، بعد أن كان يرتعد من ملامسة أي جسم غريب.

اقتربنا منها هي وولدها لنتعرف على الحالة، ولكن سرعان ما اختبأ محمد خلفها وهو ينظر إلينا بذعر، وتحكي أم محمد أن ابنها لم يتم الشهر الأول في البرنامج، وهو مصاب بحالة خوف من الأصوات، وملامسة الأشياء، ولا يتواصل كلامياً مع محيطه بصورة تناسب عمره، ولكن على غير العادة خلال الأسبوع الماضي بدأ ينادي على اسمي في المنزل، والأمر يتكرر الآن مرة أو مرتين يومياً، وهذا ما لم يكن يحدث من قبل التحاقه بالبرنامج.

المثير للانتباه أننا لاحظنا بأنفسنا خلال متابعتنا لحالة الأطفال وقت مخالطتهم للخيول ومقارنتها بالأوقات العادية، أن ثمة تطورا واضحا في تقبلهم للعالم الخارجي وتواصلهم معه، فرغم خوف محمد المري من التواصل مع الغرباء على الأرض، تبدل حاله عندما امتطى ظهر حصانه.

نشر رد