مجلة بزنس كلاس
حوارات

إعادة الاعتبار للمصادر غير النفطية وتفعيل الطاقات البشرية مرابح مباشرة للخسائر

الأسعار ستستقر حول 80 دولاراً في 2019 وخفض إنتاج الدول عالية الكفاءة سيفقدها حصتها في السوق

ضبط الإنفاق العام والحد من الإسراف والتبذير فوائد لا تحتاج إلى رصيد

دول التعاون أخفقت في الوصول بالاقتصادات إلى الحد الأدنى المطلوب من التنويع وتقليص الاعتماد على النفط ومداخيله 

دول المنطقة ستساير رفع سعر الفائدة رغم عدم ملاءمته للتوقيت المناسب 

أسعار أوبك تحدد سقف النفط الصخري والتنافس يقلب المعادلة

الموارد البشرية هي الفيصل في عملية التنويع الاقتصادي 

الدوحة- بزنس كلاس

تجاوز إشكالية النفط وانخفاض أسعاره بات أمراً شديد الملحاحية، فتراجع الأسعار سيستمر لعدة سنوات قادمة رغم التوقعات بعودة الأسعار ليس إلى ما كانت عليه بالطبع ولكن إلى منطقة وسطى تعيد الاعتبار للثروة النفطية، ولكن إلى أن نبلغ تلك المرحلة فلا بد من سلسلة من الإجراءات التي يجب أن تتعامل مع الواقع الراهن وتعالجه وفق سياسة شديدة التوازن.

الدكتور خالد راشد الخاطر، اقتصادي قطري متخصص في السياسة النقدية وعلم الاقتصاد السياسي، دعا دول التعاون الخليجي إلى عدم خفض الإنتاج لمحاولة التاثير في الأسعار، خاصة وأنها دول عالية الكفاءة، وأشار إلى أن ارتفاع الأسعار سيؤدي إلى فقد حصته في السوق لمصلحة منتج آخر أقل منه كفاءة، مستشهدا بما جرى مع المملكة العربية السعودية في تجربة انخفاض الأسعار خلال الثمانينيات، قائلا:” إن المنطق يتطلب عكس ذلك من منتج عالي الكفاءة، أي زيادة الإنتاج إن لم يكن الإنتاج بالطاقة القصوى”.

ولفت إلى أن دينامية تنافسية الأسعار كفيلة بأن تقود في نهاية المطاف إلى الأسعار التوازينة للسوق في المدى البعيد، متوقعا استقرارا في أسواق النفط على المدى المتوسط حول سعر 70 إلى 80 دولاراً في أفق العام 2019 ، قائلا:”إن السعر سيكون سعر نفط أوبك والسقف سيكون سعر النفط الصخري”.

فوائد كبيرة من رحم  الأزمات

وقال إن انخفاض أسعار النفط يأتي بحسنات لطالما طال انتظارها، من قبيل ضبط  الإنفاق العام والحد من الإسراف والتبذير، بل الفساد أحيانا ودفع دول المجلس نحو التنويع بالضرورة، وإجراء الإصلاحات المطلوبة في المجال الاقتصادي، وفي مختلف المجالات الأخرى.

وقال من تبعات استمرار انخفاض الأسعار أنه ربما يؤِّدي إلى تباطؤ نسبي في دول مجلس التعاون مقابل رواج نسبي في الولايات المتحدة، وربما يؤِّدي ذلك إلى تفارق جديد في الدورات الاقتصادية بينهما. ومع توقعات قرب بدء رفع أسعار الفائدة من الولايات  المتحدة الأميركية ومن المتوقع أن يكون خلال العام الحالي، فإن هذا الأمر  سيأتي في وقت غير ملائم لدول مجلس التعاون المقبلة على تباطؤ وهي ليست في حاجة إلى رفع أسعار الفائدة الآن ولكن البنوك المركزية الخليجية سوف تتبع خطوات الاحتياطي الفدرالي الأمريكي على كل حال وفي كل الأوضاع كما عمدت إلى ذلك  تاريخيا سواء كان ذلك ملائما أو غير ملائم لأوضاع اقتصاداتها المحلية. وعند التثبيت الجامد لسعر الصرف أمام الدولار الأمريكي، فإن تأثير الصدمات الخارجية يمرر على نحٍو كامل إلى الاقتصاديات المحلية. ففي هذه الحالة إن حصل انخفاض في مداخيل النفط من الدولار الأمريكي، فإنه يعني انخفاضا موازيا في مداخيل النفط بالعملات المحلية لدول مجلس التعاون. ولكن إن كانت أسعار الصرف مرنة، فإن انخفاض قيمة العملة المحلية أو خفضها أمام الدولار يمكن أن يكون ذلك من خلال الربط بأسعار النفط يعني ارتفاعا نسبيا في مداخيل النفط بالعملات المحلية مقابل الدولار الأمريكي، أي توافر المزيد من الأموال للإنفاق في الاقتصادات بالعملة المحلية، وهو ما يخفف حدة تأثير انخفاض مداخيل النفط في الميزانيات، وفي النشاط و النمو الاقتصاديين بوجه عام.

بين السياسة المالية وسياسة سعر الصرف

ومن حيث التنويع فقد نجحت دول المجلس إلى حد معين، مقارنةً بتجارب الانخفاضات  سابقا في أسعار النفط في جانب واحد، وهو بناء صناديق التحوط ولكنها أخفقت، عموما فيما عدا ذلك في الوصول بالاقتصادات إلى الحد الأدنى المطلوب من التنويع وتقليص الاعتماد على النفط ومداخيله والتركز في الصادرات والانكشاف عن تقلبات الأسعار. وقال إنه من شروط نجاح التنويع إصلاح الإطار العام لإدارة الاقتصاد الكلي وهي السياسة المالية والسياسة النقدية وسياسة سعر الصرف ومراجعة نظام الربط الجامد لعملات دول التعاون بالدولار الأمركي من منظور المكسب مقابل التكلفة. فهذا الإطار جرى اعتماده قبل أربعة عقود من الزمن مع بدايات مراحل التنمية عندما كانت الاقتصادات بسيطة وغير متطورة وكان ثمة توافق في الدورة الاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت العلاقة بين أسعار النفط وسعر صرف الدولار الأمريكي مستقرة. ولكن هذا الوضع تغير مع بدايات العقد الماضي، قائلاً:” إن الاصلاح المطلوب يجب أن يحرر السياسة النقدية من القيد المفروض عليها من خلال سعر الصرف الثابت على نحو يمكنها من قيامها بالدور المنوط بها كسياسة اقتصادية كلية توجه نحو خدمة أهداف الاقتصاد الكلي الوطني”.

وأوضح أن أحد الخيارات المبدئية في إيجاز شديد اعتماد نظام سعر صرف يرتبط بسلة تحتوي على مؤشر لسعر النفط إضافة إلى عملات شركاء دول مجلس التعاون التجاريين والماليين الرئيسيين. وبالتوازي مع ذلك ينبغي انتهاج إصلاحات في جانب العرض. فلا بدّ من تنويع القاعدة الإنتاجية بعيدا من القطاع الهديروكربوني والصناعات المصاحبة له، وتنويع مصادر الدخل بعيدا عن ريع القطاع الهديروكربوني، على أن تنويع هياكل الإنتاج تحد طويل الأمد يتطلب تنمية رأس المال البشري وتراكمه وإصلاح القطاع العام ورفع كفاءته وإنتاجيته وإصلاح القطاع الخاص والحد من تركزات الأسواق والثروة فيه وبناء قاعدة صناعية تدعم عملية التنويع.

رأس المال البشري ومصادر الطلب

واعتبر الخاطر أن الموارد البشرية هي الفيصل في عملية التنويع، وقال في هذا الصدد:” إن تراكم رأس المال البشري هو العنصر الأهم والتحدي الأكبر في عملية التنمية وتنويع الاقتصادات. فالتركيز على جانب العرض لا يكفي لبناء رأس المال البشري. ففي دول العالم الثالث كثيرا ما يكون مصدر الانسداد في جانب الطلب. فالطلب المتعلق بالتعليم وجودته، وببناء القدرات واكتساب المهارات ينخفض إن كان العائد المتوقع منه منخفضا، فالمطلوب إذن هو اصلاح مصادر الطلب المتمثلة بالقطاعين العام والخاص من أجل حفز تنمية رأس مال البشري وتراكمه أي إصلاح القطاع العام الكبير الذي وصل مرحلة التشبع لرفع كفاءته وإنتاجيته وخلق حافز كاف لدى الأجيال الناشئة من شانه أن يدفعها إلى تنمية قدراتها وإصلاح القطاع الخاص للحد من تركز الأسواق والثروة فيه لخلق قطاع خاص تنافسي متنوع يساهم في تنويع الصادرات والدخول والتحول التكنولوجي وخلق فرص عمل للمواطنين.

وقال إن دول التعاون الخليجي يمكن أن تعتمد سياسة صناعية تساهم في التنويع ضمن إطار شامل لإصلاح القطاع الخاص من أجل خلق قطاع تنافسي يساهم هو نفسه في التطور التكنولوجي والتحول من نمو يعتمد على كثافة عوامل الإنتاج إلى التركيز في الابتكار والتكنولوجيا وبناء رأس مال البشري وخلق مجالات جديدة من الميزات النسبية في الاقتصادات الخليجية، وذلك من خلال من خلال وضع برامج تحفيزية مناسبة وتقييد الدعم الموجه للقطاع الخاص ببرامج تعني بتطوير تقنيات الإنتاج، وبتحقيق اختراقات في أسواق التصدير وبقيادة هذا القطاع نفسه، وكل ذلك ضمن استراتيجية أشمل لتصميم سياسة صناعية موجهة نحو قطاع صادرات مستجدة يدعمها سعر صرف مرن حافز على الإنتاج في قطاع السلع المتاجر بها دوليا.

نشر رد