مجلة بزنس كلاس
قطر اليوم

طالب الدكتور العبيد أحمد العبيد – مدير مركز الأمم المتحدة للتدريب والتوثيق في مجال حقوق الإنسان لجنوب غرب آسيا والمنطقة العربية -بضرورة صياغة قانون مستقل لحماية الصحفيين، لاسيما في المناطق الساخنة، حيث انَّ 110 صحفيين لقوا مصرعهم خلال عام 2015 لدوافع غير واضحة، من بينهم 67 على الأقل جرى استهدافهم بسبب عملهم أو أثناء تغطيتهم أحداثا بالاستناد إلى تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود”، لافتا إلى أنَ الصحفيين في المنطقة العربية مستهدفون بصورة شبه يومية، ليس فقط في مناطق النزاع والحروب، بل تكاد تكون هناك ثقافة متأصلة في إدارة الحكم في الدول العربية.

وأسِفَ الدكتور العبيد في آخر حوار لـ”الشرق” قبل انتهاء فترة عمله كمدير لمركز الأمم المتحدة للتدريب والتوثيق، على حال ثقافة حقوق الإنسان في الوطن العربي، واصفاً الصبغة الغالبة على ثقافة حقوق الإنسان بالصبغة الدعائية، فهناك دول تدعي حماية وصون حقوق الإنسان، إلا أنَّ السلوك العام غير موجود على أرض الواقع، بالرغم من أنَّ الكثير من المجتمعات العربية أقرَّت بضرورة إدماج حقوق الإنسان في السلم التعليمي في كافة مراحله، فضلا عن التعليم العالي.

وأكدَّ في حواره أنَّ شح الكوادر حال دونما تخصيص برامج تدريبية لإيران وأفغانستان وباكستان، حيث تم التركيز على الـ22 دولة عربية لارتباطها بلغة واحدة، ولابد من الإشارة إلى أنَّ تلك الدول تقع ضمن دول الإقليم التي تقع تحت مظلة المركز.

وإليكم نص الحوار..

المعلومة حق للصحفي وليست منحة

كيف تنظرون إلى أحقية الصحفي في الحصول على المعلومة في ظل استهدافه؟

نحن نعطي أهمية كبيرة لحرية الرأي والتعبير، على اعتبارها أحد أهم الحريات الأساسية لكافة المجتمعات، سواء في إدارة الحكم، أو التعبير عن الآراء نفسها، أو في تطوير الثقافة أو التعليم، أو التعبير عن الرأي، وفي إطار حرية الرأي والتعبير، هناك الحق في الحصول على المعلومة، فالحصول على المعلومة ليس هبة أو منحة من الدولة، فالمواطن العادي بحاجة إلى أن يطلع على الحقيقة، وكيف تدار شؤونه العامة، لذا فالصحفيون يلعبون دورا أساسيا في إدارة الحياة العامة.

إلا أنه وبكل أسف نلحظ أنَ الصحفيين في المنطقة العربية مستهدفون بصورة شبه يومية، ليس فقط في مناطق النزاع والحروب، بل تكاد تكون هناك ثقافة متأصلة في إدارة الحكم في الدول العربية، في كونها الحاجب الحقيقي للمعلومة، وبالتالي نجد الصحفيين مطاردين ومستهدفين، لاسيما ممن يؤدوا دورهم بمهنية عالية، فيكونون هدفا للاعتقال والضرب والتنكيل والاغتيال في بعض الأحيان، أما إذا لم يؤد واجبة بشرف فسيصبح بوقا للسلطة، فالناتج أنَّ المنطقة العربية لديها ثقافة ضد الصحافة الحرة ذات المهنية العالية، معتقدا أن هذه ثقافة سائدة في المجتمعات العربية، لافتا إلى أن اليمن على سبيل المثال باتت من أكثر المناطق سخونة وبالتالي بات الصحفيون مهددين بالقتل، والبعض منهم تمت تصفيتهم والسبب آراؤهم، فضلا عن أن هناك عددا من الصحفيين الفلسطينيين في سوريا تم أيضا استهدافهم وتصفيتهم مؤخرا، ولكن لابد من التأكيد على أنَّ حماية الصحفيين من القضايا المهمة التي تتبناها المفوضية في ظل العنف الممارس ضدهم.

هل من وجهة نظركم، عدم وجود قانون لحماية رجال الإعلام والصحافة مسوغ لاستهداف الصحفيين؟

ليس صحيحا انه لا يوجد قانون لحماية الصحفيين، فهناك القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، فالصحفي حمايته مكفولة ضمن هذين القانونين على اعتباره من المدنيين، فإذا تم استهداف صحفي، فيكون الجاني قد انتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، ولكن ما نتحدث عنه هو الاستهداف المتكرر للصحفيين الأمر الذي يتطلب من قبلنا كجهات معنية بالحقوق قوانين أخرى مهمتها حماية الصحفيين، ونحن نتطلع حقيقة إلى صياغة قانون خاص بحماية الصحفيين، إلى جانب القانونين السابقين للتأكيد على أنَّ حماية الصحفيين هي من أولويات عملنا في المفوضية، والصحفي مدني، ولكن الاستثناء هو الصحفي العسكري فله استثناءات، فقتل الصحفي جُرم يعاقب عليه القانون، ولكننا نتطلع لضمانات إضافية، مؤكدا أنَّ كل الحقوق الإنسانية تنطبق على الصحفي والصحفية، إلا أن بعض الأنظمة تستبيح الصحفيين لتياراتهم السياسية، أو انتماءاتهم أو خلفياتهم الدينية، فلا يمكن التعدي على عرض أو ينتهك الصحفي فقط لرأيه.

المفوضية وحرية الرأي

ماهو دور المفوضية في هذا الصدد؟

المفوضية تركز على أهمية حرية الرأي والتعبير، وعلى حماية الحريات، كما أنها تسلط الضوء على المعايير الدولية الخاصة بحريات الصحافة، وعلى الانتهاكات التي تتم، كما أن المفوضية تحتفل باليوم العالمي للصحافة، وعلى مستوى “المركز” نحن طورنا برنامج “منظور حقوق الإنسان والتغطية الصحفية”، بهدف تعريف الصحفيين بالمعايير الدولية، وإعطائهم المهارات اللازمة، وقد يكون من أهمها كيفية احترام حقوق الإنسان خلال التغطية الصحفية، والمجال الآخر كيفية تغطية قضايا حقوق الإنسان، ويتضمن البرنامج تدريبا عمليا، ولابد الإشارة إلى أنَّ البرنامج مستمر منذ 6 أعوام وقد خرج قرابة 60 صحفيا وصحفية على مستوى العالم العربي، متطلعا أن يستكمل مشوار البرنامج من بعد انتهاء فترة عملي في الدوحة، ولكنني سأكون ملتزما بتطوير البرنامج، وقطعا هناك استفادة من المجموعات، ولكن سيتم التركيز على اليمن على اعتبارها الوجهة المقبلة لدي.

تطوير برنامج الماجستير

وماذا عن تطوير برنامج للماجستير في مجال حقوق الإنسان؟

حقيقة هناك ضعف واضح في ثقافة حقوق الإنسان في الوطن العربي، والصبغة الغالبة على ثقافة حقوق الإنسان هي الصبغة الدعائية، فهناك دول تدعي حماية وصون حقوق الإنسان، إلا أنَّ السلوك العام غير موجود على أرض الواقع، بالرغم من أنَّ الكثير من المجتمعات العربية أقرَّت بضرورة إدماج حقوق الإنسان في السلم التعليمي في كافة مراحله، فضلا عن التعليم العالي.

ولابد من الإشارة إلى أنَّه في عام 2011 تم عقد ورشة تشاورية لدراسة الوضع العربي لبرامج الماجستير، ومن خلال الورشة اتضح أنَّه لابد من توفير قاعدة صلبة لتنفيذ هذا النوع من البرامج، كإعداد المناهج، إعداد الكوادر البشرية الوطنية، وجود المصادر المعلوماتية الكافية، إلى جانب ما يتطلبه من مصادر تمويل تفوق ميزانية المركز، لذا نحن نعمل في هذا المجال بترو أكثر حتى تتوافر لنا الموارد، والإمكانات، ولكن هذا الموضوع من المواضيع التي تشغلنا بسبب ضعف الكوادر البشرية الوطنية المدربة، وبالتالي أهميته تكمن في انعكاسه على تطوير كوادر بشرية عربية متخصصة في مجال حقوق الإنسان.

أهداف المركز

هل “المركز” حقق أهدافه المرجوة منذ التأسيس؟

أعتقد أن الوقت مبكر لرصد النتائج في ظل 6 سنوات من تأسيس المركز، ولابد أن أوضح أنَّ المهام الموكلة إليَّ كانت هي تأسيس المركز، وأعتقد انَّ إنجاز هذه المهمة تم، وهذه كانت وظيفتي الأساسية كمدير للمركز، فالتأسيس يتطلب وقتا وجهدا كبيرين، في ظل شح الموارد البشرية والكوادر العاملة، فإلى اللحظة التي سأغادر فيها الدوحة منهيا مهامي كمدير للمركز لاتزال هناك شواغر، وخلال فترة تأسيس المركز كان المركز يعمل بموظفين اثنين محدثكم وموظف آخر، وفي كثير من الأحيان كنت مدربا، ومنسقا لوجستياً، الأمر الذي يؤكد شح الكوادر العربية العاملة في مجال حقوق الإنسان.

*هل تعتقد ان إيران وأفغانستان وباكستان كان لها نصيب لتنفيذ بعض البرامج على اعتبارها ضمن الإقليم الذي يقع تحت مظلة المركز؟

لم يكن لها نصيب أبدا، والسبب هو شح الكوادر، حيث لم يكن في المركز سوى موظفين اثنين كما سبق وأن ذكرت، في ظل مسؤوليتنا تجاه 25 دولة، لذا ركزنا إمكاناتنا لتغطية 22 دولة تربطها لغة واحدة، لحين اكتمال الإمكانات، ولكن حقيقة شح الإمكانات المدربة في هذا المجال جعلنا نتخذ قرار التركيز على المنطقة العربية خلال الفترة التي مضت.

قواسم مشتركة

ما الذي تحتاجه هذه الدول أعني إيران وأفغانستان وباكستان في إطار خصوصيتها ؟

أعتقد أن هذه الدول تجمعها الكثير من القواسم المشتركة مع الدول العربية على اعتبارها دولا إسلامية محافطة، لذا هذه الدول لم تنضم عبثا أو لم تقع تحت مظلة المركز بصورة اعتباطية، فما يميزها هو اللغة وبعض التفاصيل الثقافية، وأعدكم بأن البرامج ستنتقل ولكن من المؤكد أنها ستطوع لخدمة تلك الدول، دون أن تحتاج إلى تغيير جذري.

مرجعية قانونية

ماذا عن دور الأمم المتحدة في مجال مكافحة الاتجار بالأشخاص؟

في منظومة الأمم المتحدة هناك عدة برامج تعمل في مجال مكافحة الاتجار بالبشر هي صندوق مكافحة الجريمة والمخدرات، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، فصندوق مكافحة الاتجار بالبشر يتعاطى مع الجوانب التشريعية الخاصة بالاتجار بالبشر، أما المفوضية فتهتم بمواضيع حقوق الضحايا، ونحن لدينا كتاب بعنوان “المبادئ الموصى بها والمبادئ التوجيهية فيما يتعلق بحقوق الإنسان والاتجار بالبشر” وهذا الكتاب هو المرجعية القانونية، وهو وثيقة عامة، ممكن الاستفادة منه من قبل الجميع في هذا الإطار، فنحن بدأنا برامج عدة، فكان بتسليط الضوء على الخطة العربية الخاصة بمكافحة الاتجار، ثم بدأنا ببرامج متخصصة تتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر، معرجا على الحلقة التدريبية التي نظمت في الخامس من سبتمبر في الأردن وهي دورة تسلط الضوء على الدور الرقابي والتوعوي الذي تقوم به المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.

حقوق الإنسان والسطوة الغربية

كيف من الممكن أن يتم رفع الوعي في مجال حقوق الإنسان؟

التدريب والتثقيف من المهام الشاقة، والطموحة، ولكن لابد من التعاطي معها، فمن الصعب أن يكون لدينا تصور للتعاطي مع الأزمات دون أن تلعب منظمات حقوق الإنسان دورها الأساسي في حل الإشكاليات، فحقوق الإنسان هي العامل الأكثر وضوحا والأكثر حيادية الذي لا يقبل التنازلات ويرفض اللعبة السياسية، فلها دور في حل الأزمات في الوطن العربي، فمن أضعف الإيمان استمرار دورات التدريب والتوثيق مهم، لافتا إلى أن نحن كمنظمات حقوقية وأي من العاملين في مجال حقوق الإنسان عليهم دور كبير جدا في تسليط الضوء على الحقوق والواجبات المتفق عليها في كل الأديان والثقافات، وهي كثيرة جدا، فلابد ألا نركز على الخلافات بل نركز على القواسم المشتركة، فمثلا لا خلاف على الحق في التعليم والحق في الصحة، الحق في العمل، أو الحق في منع التمييز بناء على العرق واللون واللغة والدين، فهذه كيف سيكون لها مردود إيحابي إن ما تمت الاستفادة منها، ولكن أعتقد أن أحد أكبر التحديات هو ضعف ثقافة حقوق الإنسان خاصة المكون الأخلاقي، ونشوء الدعوات التي تصف حقوق الإنسان بأنها جزء من السطوة الغربية أو تغريب الهوية، فهذا كلام غير صحيح، فمثلا الحرية غير المحدودة نحن نرفضها، ولكن لا خلاف في الحقوق التي ذكرت سابقا، المسألة الثانية لابد أن نجتهد في إيجاد تجارب ناجحة في مجال حقوق الإنسان، فالتجارب الناجحة قد يكون لدينا شح كبير في التجارب المؤسسية على مستوى الوطن العربي، فقد يصعب علينا إيجاد تجارب حقوقية، ولكن على المستوى الفردي أعتقد هنالك نماذج مشرفة في الالتزام بحقوق الإنسان، ولكن هناك نماذج تعكس ضعف الالتزام الأخلاقي على مستوى الفرد لاسيما في وسط المثقفين والمتعلمين.

الأمر الآخر لابد أن نفكر ونبتعد عن الطرق التقليدية، بل نفكر بطرق مبتكرة خلاَّقة للوصول للشباب، ومن الواضح أن الطرق التقليدية لم تنجح في جذب واستقطاب الشباب في مجال حقوق الإنسان.

نهاية كيف تقيِّم علاقة “المركز” مع مؤسسات الدولة؟

بداية لابد من الإشادة بدور دولة قطر الداعم منذ اللحظة التي استضافت فيها الحكومة القطرية مقر المركز، إلى جانب الدعم اللامحدود الذي لمسناه خلال فترة عملنا، والذي كان له أكبر الأثر في إنجاح تأسيس المركز، وأنا على يقين تام بأن الدعم القطري سيستمر، كما أنني سأسعى للاستفادة من التجارب القطرية في المجال الحقوقي في عملي القادم.

وختاما لابد من شكر جريدة “الشرق” لدعمها المتواصل في نشر أخبار المركز، كما أشيد بدورها في إدماج حقوق الإنسان في إصداراتها وخير دليل على ذلك هو تجربتها في ما يعرف بـ”الكتاب الأبيض”.

نشر رد