مجلة بزنس كلاس
رياضة

 

55 مليون يورو سنوياً لرعاية قميص نادي برشلونة، تلك الصفقة الضخمة التي أعلنها العملاق الكتلوني مع العملاق الياباني راكوتين، أحد أهم مواقع التجارة الإلكترونية في العالم والذي يقدر دخله السنوي بـ 6 مليار يورو.

بات البرسا في وضع مثالي تجارياً هذه الأيام، فهو يملك تشكيلاً فيه نسبة كبيرة من الشباب، ويملك نجوماً من أعلى طراز، ويقدم سلم رواتب يعد ضمن الأفضل في العالم، كما أنه يمتد ترويجيا وتسويقيا بشكل غير مسبوق، وعاد ليظهر ضمن أكثر الفرق التي تملك سيولة نقدية في البنولك، فكيف حقق كل ذلك؟

الاعتراف بالوضع ثم التغيير
عندما وصل ساندرو روسيل لرئاسة نادي برشلونة، خرج واعترف أمام الجميع بوجود ديون ضخمة، كما أنه اعترف بأن التقارير السابقة التي صدرت في أواخر عصر خوان لابورتا كان فيها تزوير، أو على الأقل تلاعب بالمسميات لتضليل الرأي العام.

كانت الديون تهدد السيولة المتوفرة مع النادي الكتلوني، فكل الأندية الكبيرة عليها ديون، لكن هناك حد يصبح بعده الأمر كالنار في الهشيم، حيث تتحول الفوائد وغرامات التأخير إلى وحش يبتلع ما يتبقى مع النادي من سيولة.

هذا الاعتراف العلني، وإطلاق الإنذار للعالم كان نقطة التحول الأولى فيما سيجري بعد ذلك، والعذر الذي سمح للنادي بعمل تغييرات وسط قبول عام من الجماهير رغم مقاوة البعض.

التميز المالي بجوار التميز الرياضي
ما يحدث الآن، هو استكمال لمشروع ساندرو روسيل الذي كان على وفاق بما يفكر فيه مع بارتوميو الرئيس الحالي.

أذكر جيداً تصريحاته في بداية مسيرته مع برشلونة “جئت لأحقق التميز المالي بقدر ما نحقق التميز الرياضي، لا يمكن الحفاظ على النجاحات من دون أن نحقق التوازن في حساباتنا المالية”.

خرج في يوليو 2010 بكل جرأة وتحدث عن الظروف معترفاً بتأخر دفع أجور اللاعبين، ثم أكد أن هناك مرحلة جديدة ستبدأ، فيها الحسابات المالية لها شأن بقدر ما الحسابات الرياضية، فكلاهما يجب أن يمضيان معاً، لا يسبق أحدهما الأخر.

اضطر البرسا لبيع لاعبين كان من شأن أي مدرب أن يحب الحفاظ عليهم، فقد خرج سانشيز وتياجو الكانتارا وسيسك فابريجاس ويايا توري، وهم ساهموا بتمويل صفقات مهمة مثل نيمار ولويس سواريز وماسكيرانو.

كان لا بد من تحسين وضع سيولة النادي، ثم تحسين وضع الديون، لأن المسألة الأولى تؤثر بشكل مباشر على دفع الأجور ومصاريف النادي وتطويره، في حين أن الثانية تؤثر على قدرة النادي بالحفاظ على لاعبيه وحتى بالإقدام على مشاريع استراتيجية كبيرة تتعلق بالأكاديميات والفريق الأول.

أهمية النجاح الرياضي والنجاح في العلامة التجارية
ما كان برشلونة ليحقق أي أفكار تجارية ناجحة، إن لم يكن فريقه الكروي ينجح بشكل مذهل.

نحن أمام فريق حقق لقب دوري الأبطال 3 مرات في أخر 7 سنوات، ويملك أحد أهم لاعبي كرة القدم في التاريخ والكلام عن ليونيل ميسي، كما أنه يملك عدة نجوم يعتبرون ضمن الأفضل في العالم، ويقدم كرة يتم وصفها بالأجمل لدى كثيرين.

هذا النجاح الرياضي، زاد من قاعدة المتابعين والمشجعين، وهو ما يبحث عنه أصحاب المشاريع للترويج، وارقام مشاهدات النادي حول العالم تمكنه من عقد أي صفقة بالسعر الذي يناسبه.

أثناء هذا النجاح الرياضي، عملت إدارة برشلونة بشكل ممتاز على مفهوم العلامة التجارية، وخلق كيان جديد مختلف تماماً عن كيان ما قبل 2010، الذي كان كياناً كروياً بحتاً.

استخدمت الإدارة التوقيت المناسب لبدء تشكيل نادٍ جديد بعقلية الناس، فعملت ترويجياً بشكل ممتاز، سواء في الصحف أو وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى بحضور المؤتمرات والتكلم فيها بشكل مستمر.

هذا العمل الكبير، خلق شعوراً مختلفاً لدى جماهيره ومتابعيه عندما تقول برشلونة، فتشعر أنك تتحدث عن كيان كامل، لا عن فريق كرة قدم وحسب، حيث النجاحات في فئات عمرية ورياضات مختلفة، وأفكار كروية، وحتى في الكرة النسائية، إضافة للمشاركة بمشاريع عديدة منها الخيري ومنها الاجتماعي.

هذا الانطباع هو الأهم الذي يتحقق، وحتى تميز ذلك فقط حاول تخيل 10 أندية كبرى أخرى، لتلاحظ الفرق بين بعضها وبرشلونة من حيث نظرتك له، وهذه النظرة لها قيمة تجارية مهمة، في حين أنك ستجد البعض يشبه برشلونة في مخيتلك، وهذا البعض يحقق نجاحاً مالية مشابهة.

الفكرة البسيطة من أجل هذا النجاح
مشروع روسيل – بارتوميو إن جاز التعبير، ركز على زيادة عدد مصادر الدخل من جهة، وتقسيم الرعاة والشركاء إلى فئات، بحيث يتم جني الأموال بأكبر قدر ممكن من كل مهتم بالاستثمار.

بات هناك قسم اسمه الشركاء الأساسيين الذي يقبل شريكين فقط؛ منتج الملابس وهو حالياً نايكي وراعي القميص الرئيسي، وهناك ما يسمى بالشركاء المهمين،وعدة أقسام وتصنيفات أخرى من الشركاء الذين يضخون الأموال بشكل مستمر في خزينة النادي.

من شأن تعدد المصادر هذه، أن يجعل برشلونة مستقراً من حيث دخله، وهو نفس الفكرة التي بدأها مانشستر يونايتد وما زال يمارسها، فاستعارها برشلونة وغيره من الأندية الكبرى مؤخراً.

ما سبق ليس اختراع، فهو أساسي في علوم الإدارة والأموال، لكن ما يمكن فهمه هنا بارتفاع صوت أصحاب الصوت الاقتصادي والمالي، بدلاً من صوت كرة المطلق فيما مضى داخل النادي.

برشلونة لم يتردد في بدايات روسيل من وضع شعار تجاري على قميصه، تخلى عن فكرة يونيسيف التي كانت بالأساس تحمل برشلونة مصاريفاً لا تعطيه أرباحاً، وهي الفكرة التي جاءت الآن بمبلغ يقارب 55 مليون يورو سنوياً فقط.

مختصر ما سبق، أن برشلونة لعب اللعبة التي يلعبها الآخرون، توقف عن جعل الأمور المالية من المبادىء المثالية التي يجب استخدامها للترويج لقيمة النادي، واعترف أخيراً بأن كرة القدم باتت صناعة.

الوضع الماضي لبرشلونة كان غير جاذب للرعاة وأصحاب الفكرة التجارية، فقد كانت الرسالة التي يعطيها برشلونة لهم أنه صعب جداً، ولا يسهل التعامل معه بالمسائل المالية.
بعد هذا التغيير، وبدء إرسال أفكار ترويجية للعالم، بات الرعاة والباحثون عن فرص تسويقية كبرى أو رنانة يأتون لبرشلونة، كما أن النادي الكتلوني باتت له مفاتيح تواصل تجاري واضحة.

إدارتان في نادٍ واحد أغضبا ميسي … ثم كانت المرونة الجواب
في مجلس إدارة برشلونة الحالي، يقال إن المعنيين بالأمور المالية والتسويقية يشكلون 75% من أعضائه.

برشلونة نادٍ راسخ في عالم كرة القدم، وله هيكلة قوية لا تحتاج للمزيد من المدراء، بل إن زيادة عددهم قد تفسد الأمر، وهذا الأمر ساعد مجالس الإدارة في عصر روسيل وبارتوميو على خلق فريق عمل يوفر الأموال، التي بدورها توفر أفضل اللاعبين وتحافظ عليهم.

هذا التغيير في التفكير، خلق فكرة المشروع الموازي؛ المشروع الرياضي بجانب المشروع المالي، وبات تحقيق نجاح في واحدة شرطاً أساسياً للنجاح في الثانية، فهناك الآن إدارتان في نادٍ واحد؛ إدارة اقتصادية وعلامة تجارية، وإدارة رياضية.

يعمل كل منهما بشكل مستقل، لا يقود أي منهما الآخر، وهناك كلمة عليا للأشخاص أصحاب القرار الأخير مثل بارتوميو، وهو ما سمح بوصول كل من المشروعين لأقصى حد من النجاح.

هذا التفكير أغضب ميسي خلال مشاكل تجديد عقده في عام 2014، حيث قال “إنهم يحاولون إدارة النادي بعقلية الشركات”، ولكن من يوم ذلك التصريح، أظهر المشروع الجديد مرونة بالتعامل مع النجوم وعقودهم، الأمر الذي يكشف عن تغذية راجعة مهمة بين الجانبين المالي والرياضي.

نشر رد