مجلة بزنس كلاس
قطر اليوم

ينظم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات غداً السبت مؤتمر “الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي”، والذي يُعقد أيام 1 و2 و3 أكتوبر في المبنى الثقافي بالمقر الجديد لمعهد الدوحة للدراسات العليا.

ويبدأ المؤتمر بمحاضرة للدكتور عزمي بشارة ثم تنطلق جلساته عبر عدة محاور أهمها ما يلي:

* الجيش والانقلابات “التاريخية”.

* الجيش والمرحلة الليبرالية العربية.

* الجيوش العقائدية ونمط تنظيمات الضباط الأحرار.

* العلاقة بين الجيوش والأحزاب والحركات الاجتماعية – السياسية (الإسلامية، القومية، اليسارية والشيوعية وغيرها).

* الجيش والحروب الأهلية العربية أو الاضطرابات الأهلية الممتدة: اليمن، لبنان، السودان، سورية، العراق… إلخ.

* عوامل تضخم الجيش وارتفاع الإنفاق عليه بالنسبة للموازنات العامة والناتج المحلي الإجمالي.

* الجيش العام والجيوش الخاصة في إطار الجيش العام.

* الجيش والميليشيا.

* الجيش والجماعات الأهلية.

* الثقة بالجيش: ويستند هذا الموضوع إلى حدوث تبدلات كبيرة في النظرة العامة للجيش بالنظر إلى مستوى الثقة الإيجابي الذي ساد في عقود الخمسينيات والستينيات وحتى السبعينيات.

* الأدوار السياسية للجيش ومواقف الجيوش من إشكالية التحول الديمقراطي الراهنة: مثل الانقلاب العسكري في مصر، والانقلاب العسكري بالتحالف مع الحركة الحوثية في اليمن، وما بينهما من تجارب؛ مثل تونس وتحييد الجيش، وتورط الجيش في قمع حركة الاحتجاجات والثورة في سوريا، واستخدام الجيش في الصراع الجماعاتي الأهلي والطائفي في العراق.

* مشكلة إعادة تأهيل الجيوش في المجتمعات العربية المنقسمة أو الداخلة في اضطرابات أهلية ممتدة، وصعود خطاب إنقاذ الدولة عبر الحفاظ على المؤسسة العسكرية وأجهزتها وإعادة تأهيلها.

ودأب المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات على عقد مؤتمر “التحول الديمقراطي” سنويًا في إطار تقاليده المؤتمرية العلمية، واختار المؤتمر موضوع “الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي” لدورته الخامسة وهو موضوع بالغ الأهمية من النواحي العلمية والسياسية والتاريخية، فقد برز حقلا علميا في العلوم الاجتماعية في الولايات المتحدة منذ الخمسينيات من القرن العشرين، بينما برز في فرنسا ابتداءً من الستينيات.

وقد تبلورت في هذا الحقل ثلاثة حقول فرعية:

الأول: نشأ في بداية الخمسينيات، ويضم محور الأبحاث عن المهنة العسكرية (profession) من قبيل مهنة الجندي وحالته، وعلاقته بالدولة، والهوية العسكرية، والمسارات المهنية داخل المؤسسة التي هي تراتبية وهرمية بطبيعتها.

الثاني: الجيش باعتباره مؤسسة شاملة، حيث اهتمت مجموعة أخرى من الأبحاث بدراسة تاريخ نشأة الجيوش، والنظام الداخلي للمؤسسة العسكرية، ونوع الإدارة والتراتبية، وآلية ممارسة السلطة وتطور مفهوم القيادة. كما تناولت بعض الأبحاث الجانب الاجتماعي في المؤسسة وانتماءات العسكر الاجتماعية والطبقية، والجهوية، والدينية، والإثنية.

الثالث: موقع الجيش في المجتمع مقارنةً بالمؤسسات الشاملة الأخرى (كالمؤسسة الدينية والمؤسسة الأمنية)، بوصفه جسمًا شاملًا له كيانه الخاص داخل المجتمع، وأنظمته الخاصة ومواقعه، وسكنه، ومؤسساته الاقتصادية والتربوية والقضائية.

مبررات للانقلابات

وتقول ورقة المؤتمر إنّ عملية تدخل الجيوش كانت قائمة طوال ما يدعى بالعصر العباسي الثاني وحتى تاريخ الدولة العثمانية. لكن ما سيبحثه المؤتمر هو المرحلة الحديثة؛ فقد شهدت العقود الأخيرة تبدلات بنيوية في وضعية المؤسسات العسكرية وعلاقتها بالنظام السياسي-الاجتماعي.

ويتدخل الجيش عادةً بواسطة الانقلاب خدمةً للمثل الاجتماعية العليا حين تنتشر الانقسامات الاجتماعية والسياسية وتعم الفوضى البلاد. وقد بدأت هذه التجربة بوضوح منذ الانقلاب الدستوري العثماني في عام 1908-1909. وبخصوص البلدان العربية، فقد شهد العراق في عام 1936 أول انقلابٍ عسكري في تاريخ المنطقة بعد نهاية المرحلة العثمانية، وقاده الفريق بكر صدقي، لكنه زرع بذرة التحالف بين نخب سياسية -اجتماعية تغييرية مثّلتها عمومًا الفئات اليسارية والراديكالية الصاعدة التي أيدت الانقلاب ودعمته بأشكال مختلفة، ولا سيما جماعة “الأهالي” في العراق التي تحولت في عام 1946 إلى الحزب الوطني الديمقراطي.

وتكرر هذا النوع من التحالف بعد فترة وجيزة من “انقلاب صدقي” بين حركة رشيد عالي الكيلاني في مايو 1941 وبين التنظيم السري للحركة العربية. وبرزت في هذا السياق مجموعة الضباط القوميين الراديكاليين، وارتبط نموذجهم الأهم بما دعي بـ”العقداء الأربعة” أو “المربع الذهبي”. ثم حدث الانقلاب العسكري الثاني في تاريخ المشرق العربي، بعد العثماني، والذي تمثل في انقلاب حسني الزعيم في سوريا (1949) وسط مباركة النخب السياسية والاجتماعية للفئات الوسطى والصاعدة، بما فيها ما يمكن تسميتها بالنخب الليبرالية السورية.

وتلته سلسلة انقلابات سورية كان البيان الأول فيها يعلن دومًا أنّ الجيش قد انتفض على الفساد، وعلى مسؤولية السياسييين عن نكبة فلسطين، وأنه سيعود إلى ثكناته فور عودة الحياة الديمقراطية “الصحيحة” أو “السليمة” إلى البلاد. لكنّ الجيش تحسس في هذه الانقلابات قوته المركزية، وحاول في مرحلة انقلاب أديب الشيشكلي في سوريا (1951-1954) أن يجعل الثكنات تحكم المجتمع، بتعاون وثيق مع النخب السياسية والاجتماعية الراديكالية أو حتى مع بعض النخب الليبرالية التي انخرطت في اللعبة.

وتعرض هذا التعاون لمشكلات بسبب اصطدام الفئات المكوّنة له، وكذلك بسبب سياق انعكاس صراعات الحرب الباردة على الوضع الداخلي في سورية خصوصًا، وفي المنطقة العربية عمومًا. وقد تمّ في النهاية إسقاط انقلاب الشيشكلي بانقلابٍ مضادٍ آخر في فبراير 1954 أعاد آليات الحياة الديمقراطية البرلمانية. لكن نتج عنه ازدواج فاضح بين المؤسستين العسكرية والسياسية البرلمانية-الحكومية، وغدا الجيش بعد إعادة الحياة الديمقراطية لاعبًا أساسيًا في قرارات الحكومة واجتماعاتها وحتى في انتخاب البرلمان لرئيس الجمهورية.

وخلال تلك الفترة، اشتد تأثير أدوار القوى الإقليمية والدولية حول السيطرة على الجيش بسوريا في مرحلة اشتداد الحرب الباردة وسياسة الأحلاف. واستمر ذلك بقوة إلى حين تفكك الجيش السوري والنخب السياسية والاجتماعية السورية في أواسط الخمسينيات، ما أسهم في قيام الجمهورية العربية المتحدة بين سورية ومصر (1958) ، في إطار المد التاريخي لحركة القومية العربية في مواجهة الغرب وسياسة الأحلاف.

الضباط الأحرار

وكان قد برز نمط “الضباط الأحرار” في مصر منذ 23 يوليو 1952، فقد قام هذا التنظيم بانقلاب حوله إلى ثورة اجتماعية-اقتصادية تحررية، وسرعان ما غدا نموذجًا يحتذى في التنظيمات الانقلابية العسكرية في المشرق العربي الكبير حتى أواخر الستينيات، بل وبحدود معينة حتى أواخر الثمانينيات. وقد تميزت هذه التنظيمات بتحالفها مع النخب السياسية والاجتماعية الراديكالية وحتى مع بعض النخب الليبرالية المتطلعة للتغيير؛ ما يعني أنها لن تتمكن من الحكم بنفسها من دون تلك النخب.

كسبت الانقلابات بذلك صفة الانقلابات العقائدية التي كان لها معنى إيجابي في المعجم التداولي السياسي في تلك الفترة، وارتبطت بقضية حقيقية هي قضية فلسطين وكذلك بقضية التنمية والعدالة الاجتماعية في وقت واحد. وكانت تجربة الجيشين العراقي والسوري، وإلى حد ما تجربة تنظيم الضباط الأحرار في الجيش الأردني، أهم التجارب التي حاولت مأسسة ذلك تحت اسم “الجيش العقائدي”، ولا سيما بعد عام 1963 في كلٍ من العراق وسوريا. ولكن، لم يكن الضباط من صاغ هذه الفكرة، بل المنظّرون السياسيون العقائديون.

نشر رد