مجلة بزنس كلاس
رئيسي

المسطرة الماليزية على مقاس النمور الآسيوية ومحاولات التشبّه فاشلة بالضرورة

هروب جماعي لرجال الأعمال والأسباب في قلب الشاعر

دعم الدولة الخيمة الأكثر ثباتاً في وجه عواصف الاستثمار الصناعي

الصناعة خيار استراتيجي للاقتصاد ودعمها واجب

 

بزنس كلاس – رشا أبو خالد 

قد يحاول بعض المنظرين الاقتصاديين قياس واقعهم بالمسطرة الماليزية التي استفاقت نمراً في مطلع الثمانينيات، ليشكل مهاتير محمد مدرسة في النهوض من ركام الضعف، ولكن الكثيرين يتناسون أن الرافعة الأقوى التي قفزت بالناتج القومي الماليزي من 5% إلى 95% هي مساهمة القطاع الصناعي في جعل الاقتصاد الماليزي مثالاً يحتذى به عالميًّا.

وفي التجربة القطرية ثمة ما يجعل المفارقة أكبر من مجرد التنطح بمجاراة الآخرين لتظهر تأكيدات وخطابات المسؤولين حول دعم القطاع الصناعي حبراً على ورق لا أكثر ولا أقل، حيث يجتمع المستثمرون على حقيقة أن الصناعة هنا مازالت تعاني العشوائية وتحتاج إلى خطط صارمة لا تغني فيها الخطط الحالية من جوع للاستثمار الناضج والمثمر وليس الاعتيادي غير الفعال.

البحث عن مفتاح الصناعة

ومع أن “لعنة” النفط والغاز حلت نذير شؤم أكثر منها أملاً، فإن التعطش نفسه يدفع رجال الأعمال للحديث الصريح عن صعوبة إجراءات منح الأراضي الصناعية للمستثمرين، ما أوصل الأمور إلى منحى الابتعاد عن الاستثمار في القطاع الصناعي لزيادة مخاطره، حيث يفضل المستثمرون التوجّه نحو قطاعات الاستثمار التقليدية ومنها القطاعان العقاري والسياحي وبناء مولات التسوّق العملاقة.

ولأن هناك من يتفق على أن جميع المناطق الصناعية تُعاني غياب المرافق والعشوائية باستثناء المنطقة النموذجية المؤهلة بالكامل والمحجوزة من قبل مستثمرين قطريين، فإن تطوير القطاع الصناعي في قطر يُساهم في دعم الاقتصاد القطري وتقليص اعتماده على موارد النفط والغاز والتي ما زالت تشكل المحرك الرئيسي للاقتصاد الوطني.

من الفكرة إلى التمويل

وفي ملف الأراضي يبدو جلياً الخلاف في وجهات نظر المستثمرين بين من يقول بأن المستثمر قد يحصل على قطعة أرض من الدولة بدواعي أنه سينفذ مشروعاً ما في حين إنه لا ينفذ هذا المشروع ويقوم بتأجير مساحة الأرض للحصول على ربح سريع، ليرى فريق آخر بأن المستثمر بعد أن يحصل على قطعة الأرض اللازمة لتنفيذ مشروعه يواجه مشكلة أخرى وهي تمويل المشروع، حيث تفرض البنوك أيضًا شروطًا يصعب على المستثمر الالتزام بها والتي تكون مكبّلة بفوائد كبيرة بما يزيد من مخاطر الاستثمار في القطاع الصناعي ويُؤدّي في النهاية إلى هروب رجال الأعمال من الاستثمار في القطاع الصناعي.

أمام واقع كهذا يخرج من يطالب بضرورة التوسّع في إنشاء المناطق الصناعية بما يتوافق مع المصلحة الوطنية وبحث المشكلات في المناطق الموجودة حاليًا والعمل على تجنّبها، بالتوازي مع توفير مختلف المرافق التي تحتاجها الجهات الاستثمارية في المناطق الصناعية.

في سياق كهذا لا يخفى على أحد ما تعانيه المناطق الصناعية الحالية من محدودية المساحات المتاحة والدليل ما يقدم عليه المستثمرون من إخراج بعض الأدوات والماكينات والمواد المخزّنة إلى الطرق والممرات ما يُحوّل المنطقة الصناعية إلى منطقة عشوائية بكل ما للكلام من معنى.

توالد المطبات الاصطناعية  

وأمام الكلام المسؤول عن الدعم والاهتمام الحكومي يبقى الواقع موجعاً لجهة ما يواجهه المستثمرون من مشكلات كبيرة في الحصول على الأراضي الصناعية، في وقت لا تلبي مساحات الأراضي الصناعية المتاحة بالسوق احتياجات المستثمرين، ما يتطلب التوسّع في تشييد المناطق الصناعية للمستثمرين وتذليل مختلف العقبات التي تواجه القطاع الصناعي بما يحقق التنمية الصناعية المنشودة.

ويأتي أحد رجال الأعمال بمثال يتعلق بتطوير المنطقة الصناعية في بركة العوامر والتي تعاني من غياب المرافق والخدمات الأساسية التي يحتاجها المستثمرون، علماً أن أراضي بركة العوامر كانت قد منحت لأصحاب الشركات ووكالات السيارات للمساهمة في حل مشكلة نقص المخازن وارتفاع الإيجارات، خاصة أن مساحتها تزيد على 3 ملايين متر مربع تمّ توزيعها على أربعة نشاطات، والآن لا تكفي سوى 5% من احتياجات القطاع الخاص المطلوبة.

كل ما سبق يعطي انطباعاً أن القطاع الصناعي ما زال يحتاج إلى دعم الدولة، يبعد غيمة التوجّه نحو الاستثمارات التقليدية بعيدًا عن مخاطر الاستثمار الصناعي في ظل الحديث عن زيادة تسهيلات منح الأراضي الصناعية وتخفيض قروض التمويل، ما يساهم في خلق اقتصاد ديناميكيّ ومتنوّع قادر على مجابهة التحدّيات العالمية.

بحثاً عن المحرك

في مقلب آخر يصر “أصحاب الدم الحامي” على تدخّل الدولة لتحفيز القطاع الصناعي وتسهيل إجراءات الحصول على مساحات الأراضي المخصصة لإقامة المشروعات الصناعية، في وقت استطاع القطاع السياحي الاستحواذ على اهتمام رجال الأعمال خلال السنوات القليلة الماضية، مرجعين ذلك إلى العوائد المجدية التي يحققها هذا القطاع الذي يشهد طفرة تنموية كبيرة خاصة في ظل تنامي سياحة الأعمال التي تشكل المحرك الرئيسي للقطاع السياحي.

الجميع يتابع هروب رجال الأعمال القطريين من الاستثمار في القطاع الصناعي لارتفاع مخاطره، حيث يكبل هذا القطاع بصعوبات كبيرة ومنها على سبيل المثال وليس الحصر صعوبة الحصول على قطعة الأرض اللازمة لإقامة مشروع صناعي، بالإضافة إلى الفوائد البنكية المرتفعة التي تفرض على تمويلات المشروعات الصناعية.

وتأتي الحلول المجترحة في هذا الإطار بأن تتحوّل إدارة المناطق الصناعية إلى شركة المناطق الصناعية التابعة لجهاز قطر للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وضرورة تغيير التشريعات والقوانين المنظمة للقطاع الصناعي بما يُساهم في تطويره. وبالتالي وقف ما يواجهه المستثمرون من شروط تعجيزية في الحصول على الأراضي الصناعية. بالتوازي مع المناشدات بضرورة تيسير عمليات تمويل المشروعات الصناعية.

مؤشرات الدعم الثلاثي

وإذا كان الدعم الحكومي يتمحور حول ثلاثة اتجاهات رئيسية: توفير مساحات الأرض اللازمة لإقامة هذه المشاريع بأسعار مناسبة ، وتوفير الإمدادات الكهربائية ، والإعفاء الجمركي للمواد الخام المستوردة من الخارج، فإن هناك من يعول على دور المشاريع الصغيرة والمتوسطة في دعم الاقتصاد الوطني و إحداث تنوّع مصادر الدخل القومي القطري، خاصة في ظل توافر المواد الأولية لإنشاء هذه الصناعات. في وقت تنتقد عدم خبرة المستثمرين في دولة قطر في اختيار الصناعات التي يحتاجها السوق، لاسيما أن الكثير من رجال الأعمال حصلوا على أراضٍ صناعية وأقاموا بها ورشًا بدلاً من المصانع.

إذا نحن أمام عائدات من قبيل 70% تأتي من النفط والغاز، ولكن الحكومة تتحدث عن استراتيجية لتنويع مصادر موارد الدولة، وتطوير قطاع الصناعة، ولكن المشكلة في العقبات المتمثلة بعدم وجود أراض صناعية كافية لخدمة القطاع،  وبالتالي فإن ما يحتاجه قطاع الصناعات غير البترولية هو قيام بعض دول الخليج بوضع الصناعة خيارا اقتصاديا واستراتيجيا وتوفير الدعم اللازم لها، حتى تستطيع هذه الصناعة أن تحقق التنافس مع المنتجات الدولية، كما دعا إلى اعتماد الصناعة الوطنية في المناقصات الدولية، وإلى تطبيق سياسة دعم الصادرات التي انتهجتها قطر والسعودية.

نشر رد