مجلة بزنس كلاس
تحقيقات

تسارع إيقاع المصاعب والتحديات في دول مجلس التعاون الخليجي لا يعني كسر الوزن بالضرورة

دول مجلس التعاون ملتزمة بفرض ضريبة القيمة المضافة على المدى المتوسط

انخفاض احتياطيات بعض الدول الخليجية يرفع من مستوى الضغط على ربط العملة  بالدولار 

الخاطر: ترتيب أولويات المشاريع وفق الحاجة والالتزام بالمواعيد ضمانة مؤكدة

روجرز: التنوع الكبير للإيرادات في قطر يحد من خطوات خفض الإنفاق 

بزنس كلاس – باسل لحام

يروج بعض المحللين والخبراء الاقتصاديين في دول التعاون الخليجي عموما وفي قطر خاصة مقولة الركود الاقتصادي كفزاعة يراد منها إثارة المخاوف بشكل مبالغ فيه، ويتم تداول المقولة تحت مسميات مختلفة بعيدة كل البعد عن الواقع، فتقرير رؤى الاقتصادية الصادر عن معهد المحاسبين القانونيين في انجلترا وويلز فنّد هذا الطرح.

توم روجر

توم روجرز

في لمح البصر

وأكد توم روجرز، المستشار الاقتصادي لمعهد المحاسبين القانونيين ICAEW، والخبير الاقتصادي في “أكسفورد إيكونوميكس” في التقرير أن الانخفاض المستمر لأسعار النفط سيؤدي إلى إضعاف متانة السياسات الحالية بسرعة خاطفة، مثل مخصصات الدعم في دول الخليج العربي الغنية بالنفط، مما يهدّد استراتيجيات ربط العملات بالدولار الأميركي منذ سنوات طويلة، وبالتالي إبطاء النمو الاقتصادي نظراً لتراجع حركة التجارة والاستثمارات والتدفقات المالية. ومع أن دول المنطقة في منأى عن الركود، إلا أن النمو في مجلس التعاون الخليجي سيناهز 2.1% فقط وهي النسبة الأدنى منذ الأزمة المالية.

وقال إنه من المتوقع أن ينمو اقتصاد قطر بنسبة 4.3% في العام 2016، مدفوعاً بالاستثمارات الضخمة في البنى التحتية، بما في ذلك تشييد سكة حديدية جديدة، ومطار، وميناء بحري. كما أن التنوع الكبير للإيرادات في قطر، والدعائم الضخمة للسياسات، إلى جانب المتطلبات المستحقة لمشاريع البنى التحتية المرتبطة بفعاليات كأس العالم 2022، ستجعل من خطوات الحكومة لخفض الإنفاق ضمن مستويات متواضعة، مقارنة بالدول الخليجية الأخرى.

عبد الله الخاطر

عبد الله الخاطر

لا ركود في قطر

من جهته قال الخبير الاقتصادي القطري عبد الله الخاطر إنه لا يمكن الحديث بحال من الأحوال عن ركود في قطر على اعتبار أن نسبة نمو الاقتصاد الحقيقي في الدولة ستتجاوز هذا العام 4%، مشيرا إلى المحافظة على نسق تنفيذ المشاريع ذات الأولوية والمتعلقة بالبنية الأساسية سيكون لها دون شك تأثير إيجابي على دفع نسق النمو ودفع النشاط الاقتصادي.

وشدد الخاطر على أهمية الاستثمار العمومي خلال هذه الفترة، لافتا إلى ضرورة إعادة ترتيب أولويات الاستثمارات وفق أهميتها وحاجة الاقتصاد إليها ومدى ارتباطها بمواعيد تنظيم الفعاليات التي ستحتضنها قطر في الفترة القادمة لضمان  جدوى وفاعلية أكثر من هذه المشاريع.

ويقول الخبراء إن جزءاً هائلاً من هذا النمو ارتكز في صميمه على الإنفاق الحكومي الذي يرتبط ضمنياً بعوائد النفط، بما في ذلك البنى التحتية، والمشاريع التنموية الرئيسية، ورواتب القطاع العام، والمخصصات والدعم.

تهديدات تصدرها الصين

وتوقع تقرير رؤى الاقتصادية الصادر عن معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز أن تظل أسعار النفط منخفضة حتى عام 2017 على أقل تقدير، وذلك نظراً لاستمرار السياسة الحالية التي تتبعها منظمة الدول المصدّرة للبترول (أوبك)، إلى جانب المخاوف المتزايدة بشأن النمو في الصين، والأسواق الناشئة الأخرى. وفي ظل سياسة أوبك لإبقاء إنتاج النفط ضمن معدلاته المرتفعة من أجل الحفاظ على حصتها السوقية، وممارسة الضغط على المنتجين بأسعار عالية ودفعهم للخروج من السوق، فضلاً عن المستويات الحالية العالية للمخزون، والنمو المتواضع للطلب، فإن متوسط سعر خام برنت سيصل إلى نحو 32 دولار أميركي للبرميل هذه السنة، ولن يتجاوز 70 دولاراً أميركياً على مدى السنوات المتبقية من هذا العقد. وتشير البيانات الاقتصادية الصادرة من الصين إلى ازدياد المشاكل نتيجة فوائض القدرة الإنتاجية، مما يقوّض التوقعات بخصوص نمو الطلب على الموارد.

تحديات في نفق النمو 

تفرض أسعار النفط الضعيفة تحديات جسيمة على آفاق النمو في دول مجلس التعاون الخليجي، والتي تواجه بالأساس عدة مخاوف اقتصادية. ووفقاً لتقرير جديد نشره معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز ICAEW، من شأن الإصلاحات المالية في المنطقة أن تجنّبها الوقوع في أي ركود.

أفاد تقرير رؤى اقتصادية: الشرق الأوسط للربع الأول 2016، بأن الضغوطات الناتجة عن تراجع أسعار النفط سوف تُضاعف من حدة المخاوف الاقتصادية بالمنطقة، لا سيما وأنها تواجه بالفعل قضايا شائكة تتعلق بالاستدامة المالية، وضعف البنية الاقتصادية.

ضبط الإيقاع المالي

وشهدت الأشهر الماضية بوادر متنامية من حكومات الخليج العربي للنظر ملياً في مسألة ضبط الأوضاع المالية العامة. وأعلنت الحكومة السعودية تراجعاً سنوياً في النفقات المحددة مسبقاً، وذلك لأول مرة منذ 14 عاماً، في حين أعلنت سلطنة عُمان عن تقليص الإنفاق في موازنتها العامة بنسبة 16% للعام 2016، وعن زيادة الضرائب المفروضة على الشركات. علاوة على ذلك، أعربت جميع الحكومات في مجلس التعاون الخليجي عن التزامها بفرض ضريبة القيمة المضافة على مستوى المنطقة، وعلى المدى المتوسط، وذلك لتعزيز الإيرادات غير النفطية، وقد شرعت معظمها بالفعل في خفض الدعم عن الطاقة. وإجمالاً، من المتوقع أن يتراجع الإنفاق الحكومي في دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 8% هذه السنة، على أن يرتفع بوتيرة بطئية خلال السنوات المقبلة.

دول الخليج وجسر العملات

وثمة خطر آخر يهدد آفاق النمو والاستقرار في دول مجلس التعاون الخليجي، وينبثــق من الضغط المفروض على ربط العملات الخليجية منذ سنوات طويلة بالدولار الأميركي. فعلى سبيل المثال، تتوقع الأسواق انخفاضاً غير مسبوق بنسبة 10% للريال السعودي خلال السنوات المقبلة. وستكون عُمان والبحرين على وجه الخصوص الأكثر عرضة للخطر، نظراً لاحتياطاتها المالية المنخفضة. وبينما قد يساهم فك ارتباط العملة في زيادة الإيرادات الحكومية من خلال تعزيز الإيرادات النفطية بالدولار بأسعار العملة المحلية، من المحتمل أن تنطوي هذه الخطوة على تكاليف باهظة، بما في ذلك ارتفاع معدلات التضخم، وفقدان مصداقية السياسات الموضوعة، وإحداث تقلبات إضافية في الإيرادات النفطية.

إيران مرة أخرى

من جهة أخرى، فإن تخفيف العقوبات المفروضة على إيران سيكون له انعكاسات متباينة على المنطقة وأسواق النفط. ففي أعقاب دخول الاتفاق النووي حيّز التنفيذ في شهر يناير، تُظهر الدلائل أن طهران تتمتع بوضع قوي يؤهلها لزيادة قدراتها الإنتاجية من النفط بسرعة هائلة خلال السنة الأولى. ويتجلّى الأثر الأكبر للاتفاق على مستوى المنطقة في الضغط على أسعار النفط، وإبقائها ضمن مستويات أقل لفترة أطول، مما يبرز الحاجة المُلحة لتطبيق برامج صارمة للضبط المالي في شتى دول مجلس التعاون الخليجي.

يقول مايكل آرمسترونغ، المحاسب القانوني المعتمد والمدير الإقليمي لمعهد المحاسبين القانونيين ICAEW في الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا: “سيتمثّــل الهدف الأبرز للحكومات الخليجية على المدى القريب في المحافظة على الاستقرار المالي، وتجنّب وقوع أزمة أعمق. وستُلقي موجة النمو الضعيف مزيداً من التعقيدات في كل دولة على حدة، والتي ترغب في إجراء إصلاحات اقتصادية في مجالات مثل الخصخصة، وسياسة المنافسة، والإسكان، وسوق العمالة، والتعليم، وبيروقراطية القطاع العام. وستكون هناك حاجة لمرحلة من إرساء السياسات الذكية من أجل الموازنة بين متطلبات النمو ومقوّمات الاستقرار على حد سواء”.

 

نشر رد