مجلة بزنس كلاس
رئيسي

بقلم رئيس التحرير:

يتفق‭ ‬المراقبون‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يختلفون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تهالك‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬ووصوله‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬دون‭ ‬30‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬،‭ ‬أثر‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬الهشة‭ ‬وأخواتها‭ ‬ممن‭ ‬تلعق‭ ‬حكوماتها‭ ‬مرارات‭ ‬الأزمات‭ ‬والكوارث‭ ‬والحروب‭ ‬،‭ ‬ولكن‭ ‬ثمة‭ ‬توافقاً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬لا‭ ‬يشكل‭ ‬ذاك‭ ‬الخطر‭ ‬المحدق‭ ‬على‭ ‬‮«‬نمور‮»‬‭ ‬الخليج‭ ‬الذين‭ ‬يعرف‭ ‬مواطنيهم‭ ‬ومسؤوليهم‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬‮«‬حصانة‮»‬‭ ‬قديمة‭ ‬متجددة‭ ‬راكمها‭ ‬المخزون‭ ‬والاحتياطي‭ ‬الثري‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬عكازة‭ ‬النفط‭ ‬وحدها‭.‬

هنا‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬التوجس‭ ‬والحذر‭ ‬مشروعاً‭ ‬وحتى‭ ‬مباحاً‭ ‬عند‭ ‬رأسمال‭ ‬تلتصق‭ ‬به‭ ‬تهمة‭ ‬‮«‬الجبن‮»‬‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬الزمن‭ ‬،‭ ‬ولكنه‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬المجتمعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تسفيه‭ ‬العامل‭ ‬والحاضن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬‮«‬رحم‮»‬‭ ‬الاستقرار‭ ‬والديمومة‭ ‬عند‭ ‬رجال‭ ‬البزنس‭ ‬وأسياد‭ ‬المال‭ ‬الذين‭ ‬انشق‭ ‬بعضهم‭ ‬عن‭ ‬المحيط‭ ‬السكاني‭ ‬بما‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬مستهلكين‭ ‬ومنتجين،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الشريحة‭ ‬القافزة‭ ‬فوق‭ ‬أدبيات‭ ‬رجالات‭ ‬السوق‭ ‬وكبار‭ ‬التجار‭ ‬والصناعيين‭ ‬،‭ ‬لتتحول‭ ‬هزة‭ ‬بسيطة‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬انخفاض‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬مصيبة‭ ‬عند‭ ‬‮«‬أشباه‭ ‬الاقتصاديين‮»‬‭ ‬و«أنصاف‭ ‬المستثمرين‮»‬‭.‬

في‭ ‬زمن‭ ‬التحولات‭ ‬السوقية‭ ‬والمنعطفات‭ ‬الدراماتيكية‭ ‬للأسعار‭ ‬يصبح‭ ‬الميدان‭ ‬عرضة‭ ‬لثلة‭ ‬المتاجرين‭ ‬والمتربصين‭ ‬لتغدو‭ ‬الشائعات‭ ‬المعلبة‭ ‬‮«‬عباءة‮»‬‭ ‬والقال‭ ‬والقيل‭ ‬‮«‬زوبعة‭ ‬في‭ ‬فنجان‮»‬‭ ‬لتكتشف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعمعة‭ ‬‮«‬الغث‭ ‬من‭ ‬السمين‮»‬‭ ‬والمقتدر‭ ‬من‭ ‬الضعيف‭ ‬عند‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬والشركات‭ ‬التي‭ ‬لمسنا‭ ‬ارتجاف‭ ‬أوصال‭ ‬وتخوفات‭ ‬مبالغ‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬،‭ ‬ومتعمدة‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬آخر‭ ‬تستهدف‭ ‬نوايا‭ ‬مبيتة‭ ‬لتخفيض‭ ‬النفقات‭ ‬وخلق‭ ‬أزمات‭ ‬مزدوجة؟‭.‬

هنا‭ ‬تأتي‭ ‬تطمينات‭ ‬رجالات‭ ‬السوق‭ ‬لتشكل‭ ‬بيئة‭ ‬انتعاش‭ ‬وارتياح‭ ‬ليس‭ ‬للموتورين‭ ‬مكاناً‭ ‬فيها،‭ ‬والدليل‭ ‬صمود‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبيرة‭ ‬وحتى‭ ‬المتوسطة‭ ‬واستمرارية‭ ‬عملها،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تأكيدات‭ ‬الأجهزة‭ ‬المصرفية‭ ‬بأن‭ ‬السيولة‭ ‬غنية‭ ‬والمال‭ ‬‮«‬حلال‮»‬‭ ‬والأرصدة‭ ‬بخير‭ ‬والباقي‭ ‬بعهدة‭ ‬الشارع‭ ‬المتوازن‭ ‬والمتعقل‭.‬

ليأتي‭ ‬السؤال‭ ‬الطويل‭ ‬العريض‭ ‬لماذا‭ ‬ترتفع‭ ‬بدلات‭ ‬الأجور‭ ‬وقيم‭ ‬الآجار‭ ‬العقارية‭ ‬وتتعاظم‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬رغم‭ ‬التوجيهات‭ ‬الحكومية‭ ‬بتخفيض‭ ‬الآجارات‭ ‬وأسعار‭ ‬العقارات‭ ‬والسلع‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يشكل‭ ‬صدى‭ ‬عند‭ ‬المتعصبين‭ ‬والمتشنجين‭ ‬للاستغلال‭ ‬الأعمى؟‭!.‬

في‭ ‬سياق‭ ‬ذلك‭ ‬يتكلم‭ ‬البعض‭ ‬عن‭ ‬صناعة‭ ‬الوهم‭ ‬،‭ ‬بما‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬أطماعهم‭ ‬ومصالحهم‭ ‬الخاصة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬الضرر‭ ‬والإضرار‭ ‬بالشرائح‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والأهم‭ ‬سمعة‭ ‬بلد‭ ‬بأكمله،‭ ‬ولا‭ ‬يخفي‭ ‬آخرون‭ ‬تحذيرهم‭ ‬ممن‭ ‬يتنطح‭ ‬بالحديث‭ ‬المبكر‭ ‬جداً‭ ‬عن‭ ‬‮«‬شد‭ ‬الحزام‮»‬‭ ‬أو‭ ‬آليات‭ ‬التقشف‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬مثل‭ ‬قطر‭. ‬فأياً‭ ‬يكن‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬سوداوياً‭ ‬وغامضاً‭ ‬ومخيفاً،‭ ‬تبقى‭ ‬الحصانة‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬قطر‭ ‬قائمة‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتعرض‭ ‬بعد‭ ‬لأية‭ ‬هزة‭ ‬قد‭ ‬تفقدها‭ ‬تماسكها‭.. ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬التجارب‭ ‬وأرشيف‭ ‬التصدي‭ ‬مثالاً‭ ‬لمن‭ ‬يحتفظ‭ ‬بذاكرته،‭ ‬وكلام‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬المستويات‭ ‬يشدد،‭ ‬ووفرة‭ ‬البدائل‭ ‬والخيارات‭ ‬تزيد‭ ‬التطمينات،‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬يصر‭ ‬الكثيرون‭ ‬على‭ ‬الترويج‭ ‬لأزمة‭ ‬مفترضة‭ ‬وجر‭ ‬المواطن‭ ‬للتعامل‭ ‬معها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬واقع،‭ ‬وبالتالي‭ ‬إشاعة‭ ‬جو‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬والارتباك،‭ ‬وردود‭ ‬الأفعال‭ ‬المبالغ‭ ‬فيها‭ ‬والتي‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تكرس‭ ‬لسلوك‭ ‬اقتصادي‭ ‬مدمر‭ ‬حيث‭ ‬راح‭ ‬البعض‭ ‬يتشبث‭ ‬بخيار‭ ‬وجود‭ ‬أزمة‭ ‬ويبني‭ ‬قرارات‭ ‬مستغلة‭ ‬الفرضية،‭ ‬فتنزع‭ ‬إلى‭ ‬مصالحها‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الآخرين،‭ ‬وتقر‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬تحت‭ ‬ذريعة‭ ‬الأزمة‭ ‬والغرض‭ ‬رفع‭ ‬الأسعار‭ ‬وخاصة‭ ‬تلك‭ ‬المتعلقة‭ ‬بحياة‭ ‬المواطن‭ ‬العادي‭ ‬اليومية‭ ‬واحتياجاته‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬وتأتي‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬التعسفية‭ ‬كتسريح‭ ‬العمالة‭ ‬والموظفين،‭ ‬فيما‭ ‬يراكم‭ ‬أصحاب‭ ‬الشركات‭ ‬مكاسب‭ ‬مضاعفة‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬رفع‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬خفضها‭.‬

‭ ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬الغاز‭ ‬والصناعات‭ ‬الثقيلة‭ ‬والسياحة‭ ‬والمشاريع‭ ‬العملاقة‭ ‬والأفكار‭ ‬المتقدمة‭ ‬والكفاءات‭ ‬البشرية،‭ ‬سدت‭ ‬قطر‭ ‬كل‭ ‬المنافذ‭ ‬على‭ ‬الأزمة‭ ‬واستطاعت‭ ‬أن‭ ‬تخرج‭ ‬سالمة‭ ‬مطمئنة‭ ‬إلى‭ ‬تماسكها‭ ‬لعشرات‭ ‬السنين،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يصر‭ ‬البعض‭ ‬على‭ ‬الاصطياد‭ ‬في‭ ‬الماء‭ ‬العكر‭ ‬ورسم‭ ‬صورة‭ ‬مقلوبة‭ ‬الملامح‭ ‬مشوهة‭ ‬التفاصيل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حفنة‭ ‬من‭ ‬الريالات‭.‬

نشر رد