مجلة بزنس كلاس
عقارات

مع سبق الإصرار والترصد

نصف دخل المقيم تبتلعه غرفتان متواضعتان ومرافق عمومية

السكن لم يعد سكينة بل مصدر قلق.. وارتفاع إيجار السكن العائلي يحول الوافدين إلى كتلة من العزاب

مطالب بإلغاء قانون الزيادة السنوية والـ 10% عبء ثقيل

20% النسبة العالمية للإيجار من الراتب وفي قطر تصل إلى 60%

استبدال العقارات المتوسطة بالاستثمارية قلص من السكن المتوسط

عادل: الزيادات التي يطلبها الملاك تمثل نوعا من التحكم

الأنصاري: الارتفاع السنوي للإيجار يفاقم المشكلة

بزنس كلاس– محمد عبد الحميد

مشكلة ارتفاع الإيجارات عادت لتطل برأسها من جديد في قطر لتذكر الجميع بالارتفاعات التي بلغت ذروتها عام 2008، قبل أن تتدخل الحكومة وقتها للحد من هذه الارتفاعات وتحولت الإيجارات إلى غول كبير يلتهم أكثر من نصف مرتبات المقيمين و40% من دخول المواطنين وهي نسبة مرتفعة جدا مقارنة بالنسب المتعارف عليها عالميا التي حددت 20 تقريبا من إجمالي راتب الفرد.

وجهاً لوجه مع غول الإيجارات

ويجد الوافد الجديد إلى الدوحة أو حتى المقيم صعوبة كبيرة في توفير سكن يتناسب مع  راتبه وهو ما يضطره إلى الشراكة مع وافدين آخرين في نفس الشقة حتى يستطع أن يوفر قيمة الإيجار المرتفعة، وأصحاب العمائر والبنايات والشركات العقارية يغالون في رفع أسعار السكن، ولا يبالون أو يهتمون بظروف الوافدين أو قلة دخلهم، المهم عندهم أن يتقاضوا قيمة الإيجار وهم يتقاضونه مقدما، لا يعلمون أن هناك الكثيرين ممن يعانون ويكافحون من أجل توفير قيمة هذا السكن.

ونظرا لارتفاع الظروف المعيشية وغلاء الإيجارات وأثره  الكبير في زيادة التضخم بالدولة دقت “بزنس كلاس” ناقوس الخطر وذلك لتأثير ارتفاع الإيجارات على القيمة الشرائية وقدرة المستهلك على الاستفادة من دخله بشكل أساسي، وقامت المجلة بفتح الملف والتقت شريحة من الوافدين ليحدثونا عن معاناتهم.

الرواتب الضعيفة ضحية الارتفاع

وفي هذا السياق قال خبراء في القطاع العقاري إن الإيجارات المتصاعدة في قطر تستحوذ على نسبة ما بين 50 –60 بالمئة من الرواتب، بسبب كثرة الطلب وقلة المعروض، مشيرين إلى أن الموظفين الذين تتراوح رواتبهم ما بين 3 آلاف إلى 15 ألف هم الذين يتأثروا بارتفاع الإيجارات، فيما لا تتأثر فئة الموظفين ذات الرواتب المنخفضة للغاية أو المرتفعة جداً حيث كلاهما لا يتحمل الإيجار لأن مؤسساتهم تدفعه لهم.

وطالب الخبراء بإلغاء قانون زيادة الإيجارات السكنية السنوية في قطر بنسبة 10 بالمئة، مشيرين إلى أن هذا القانون يعد السبب الأكبر في التضخم وزيادة أسعار السلع الاستهلاكية، وأكدوا على ضرورة طرح مناطق سكنية جديدة لحل أزمة الإيجارات وبشكل فوري وسريع.

وقد شهدت قطر في الفترة الأخيرة نمواً عمرانياً مضطرداً واستبدلت الكثير من العقارات المتوسطة بالعمارات الاستثمارية الشاهقة ومع هذا ازدادت أجور الشقق طردياً مع ازدياد أعدادها، ورغم أن أغلب العمارات المخصصة للاستثمار فارغة ومع هذا لا يتنازل أصحابها عن الحد المرتفع للأجور ما يجعل الوافد في حيرة من أمره وكأن هناك إصراراً من قبل مالكي العمارات على استنزاف دخول الوافدين الى أقصى درجة.

والمتابع للإيجارات بقطر  يجد أن أسعارها لا تتناسب مع الرواتب والدخول بالنسبة للعمالة الوافدة، وإذا اعتبرنا أن متوسط دخل الفرد الوافد حولي 6 آلاف  ريال وإيجار أصغر شقة والتي تتكون من غرفة واحدة وصالة صغيرة حوالي 4 آلاف ريال يتضح مدى معاناة الوافدين تجاه السكن.

مخاطر اجتماعية ونفسية

وإذا أخذنا الشريحة الأعلى دخلاً أو متوسطة الدخل – وهي تشكل نسبة لا يستهان بها- نجد أن ارتفاع أجور السكن جعلت أغلب أفراد هذه الشريحة يفكرون في عدم استقدام أسرهم للعيش معهم ما يهدد بتحول العمالة الوافدة إلى كتلة من العزاب بما يتضمنه ذلك من ميول نحو الانحراف والاضطراب النفسي والاجتماعي لاسيما أن أغلب الوافدين يأملون بتوفير جزء من دخلهم ليتمكنوا من العودة إلى بلدانهم وبناء حياة لائقة.

وكان تقرير حديث عن العقارات في قطر كشف عن أن 50% من الراتب يذهب لإيجارات السكن في قطر، في حين يشكّل 25% فقط في بقية دول مجلس التعاون الخليجي. وبحسب التقرير، فإن بدل السكن في قطر الأعلى مقارنة مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي، ويتراوح ما بين 20 ألفا و30 ألف ريال للأعزب و50 ألف و100 ألف ريال للمتزوج عبر مختلف الوظائف.

وحول ارتفاع أسعار الإيجارات ومدى تأثر المقيمين بها يقول أحمد عادل “وافد”: إن أسعار الإيجارات أصبحت تلتهم حوالي 50 بالمئة من دخله الشهري الأمر الذي جعله يستهلك راتبه ولا يستطيع توفير شيء للطوارئ أو لمستقبل أولاده، لافتا إلى أن أسعار الإيجارات تزايدت بصورة غير معهودة وأصبحت تتطلب نظرة من أصحاب القرار من أجل التصدي لغول الإيجارات حفاظا على التوازن ما بين الدخول ومتطلبات الحياة.

وأشار إلى أن قانون ارتفاع الإيجارات 10 بالمئة سنوياً سبب في ارتفاع أسعار العقارات والتضخم وهذا القانون يضر المواطن والمقيم ويجب إلغاؤه لأنه لا يخدم إلا أصحاب المصالح الكبار، بحسب قوله.

أبنية قديمة وأسعار جديدة

وقال عادل: إن الزيادة التي يطلبها الملاك في الوقت الراهن تمثل نوعا من التحكم في المستأجرين والضغط عليهم خاصة مع قرب انتهاء العقود لزيادة الإيجار، لافتا في الوقت ذاته إلى حق المالك في زيادة الإيجار ولكن بالصورة المعقولة قائلا: “لا يمكن أن تزيد قيمة الإيجار بنسبة 10% سنويا بينما تظل الرواتب ثابتة، موضحا أن ما زاد في الفترة الأخيرة هو أسعار بعض أراضي السكن الخاص نظرا لزيادة الطلب عليها خلال تلك الفترة بالإضافة لزيادة أجور الأيدي العاملة الأمر الذي تظهر الزيادة فيه مع أصحاب البنايات الجديدة لا القديمة.

ويقول محمد عبد الواحد “مقيم” إن الإيجارات بمنطقة السد أيضا شهدت قفزات واسعة في أسعارها خلال فترة قليلة جدا، الأمر الذي وصل فيه إيجار الملحقة غرفة وصالة إلى 4500 ريال بعدما كان يتحرك سعره وفقا لمساحته السنوات الماضية وحالته بين 2400 إلى 3 الف ريال ، فيما أصبحت الشقة ذات الغرفتين والصالة بسعر 6 ألاف ريال بعدما كانت تتراوح ما بين 3000 و4000 ريال، فيما بلغ سعر الشقة الأربع غرف 8 ألاف ريال بعدما كانت تؤجر بمبلغ 4 آلاف و5 آلاف ريال ، الأمر الذي يعاني منه الوافدون وعائلاتهم بصورة شديدة لأن المرتبات ثابتة أو ترتفع ببطء، وأسعار الإيجار تتزايد بصورة مفزعة.

جشع بلا حدود

وأضاف: لقد أرهقنا الارتفاع الشديد في إيجار الشقق السكنية، في الحقيقة إنني أرى أن هذا الارتفاع الجائر في قيمة أسعار الشقق السكنية لا يتناسب مع مساحة الشقة أو الخدمات الموجودة بها، علاوة على ذلك فإن أصحاب العمائر يرغبون دائما في العمل على رفع الإيجارات، فهم في جشع مستمر وطمع دائم، إن العمائر التي نسكن بها قديمة والخدمات بها سيئة إنني أتساءل وأستفهم لماذا يرفعون سعر الإيجار على الرغم من قدم العمائر؟ إن الشقق ضيقة مثل علب الكبريت وعلى الرغم من ذلك فهم دائما يرغبون في الزيادة بداع وبدون داع. رواتبنا ضعيفة وأسعار الشقق مرتفعة والمشكلة تتفاقم يوما بعد يوم فهل من حل لتلك المشكلة؟

وفي الإطار نفسه يقول عادل أبو وردة “مقيم”: يوجد الكثير من أصحاب العمائر الذين يقومون ببناء (ملاحق أو استديوهات سكنية) على الجوانب الأربعة للعمارة فهي عبارة عن عدة غرف تشترك في دورة مياه واحدة أو اثنتين على الأكثر إلى جانب بنائها فوق أسقف العمائر حيث يقوم أصحاب هذه العمائر بتأجير تلك الملاحق للمغتربين ويستغلون حاجتهم للسكن برفع قيمة الإيجار، ويضيف أبو وردة قائلا: يحرص أصحاب العمائر على تأجير الشقق لأكبر عدد ممكن من السكان ما يؤدي إلى الازدحام الشديد ويؤدي إلى سوء استخدام المرافق وبالتالي تحدث أعطال كثيرة في الكهرباء والمصاعد، لذلك يجب أن تخضع عملية تأجير الشقق السكنية للمغتربين لمزيد من الرقابة من جانب المسؤولين من أجل وقف هذا الاستغلال الجائر من أصحاب العمائر والبنايات .

أبراج تجارية وأبراج من الغلاء

يرى الخبير العقاري جابر الأنصاري أن الإيجارات تلتهم نسبة كبيرة من رواتب الموظفين تصل إلى أعلى من 50 بالمئة. وأضاف أن هدم العقارات القديمة والاستعاضة عنها ببناء أبراج تجارية شاهقة أدى إلى ارتفاع الإيجارات لمستويات باهظة في ظل ضغوط تمويلية من قبل البنوك على شركات الإنشاءات والعقارات، ما يجبر بعض الملاك، أحيانا، على تعويض شح السيولة .

وبرر الأنصاري رأيه في دخول شركات كبيرة وعملاقة لتنفيذ المشروعات الضخمة ووجود هذه الشركات يستلزم بالضرورة وجود شركات خدمية أخرى مما يساهم في زيادة العمالة ومن ثم زيادة الإقبال على السكن، خاصة سكن العمال.

وأشار كذلك إلى عوامل أخرى تسببت في ارتفاع أسعار السكن منها التنقل الداخلي من سكن إلى آخر لأولئك السكان الراغبين في الانتقال إلى مساكن أفضل، وكذلك نمو أعداد السكان في الفترة الماضية بنسبة لافتة وخطة الدولة لرفع أعداد السكان في الدولة.

وافق رجل الأعمال حمد الهاجري رأي الأنصاري فيما يخص ارتفاع الأجور، وأكد أن هناك عدة عوامل أدت في الفترة الأخيرة إلى تفاقم أزمة السكن في البلاد من بين تلك العوامل ظهور شركات الاستثمار العقاري والوسيطة ذات العلاقة بالسوق السوداء في مجال الإيجار من الباطن للمساكن المؤجرة بالدولة.

وأشار الى أن عملية التطوير الشامل والدائم في جميع المجالات بالدولة صاحبها احتياج شديد للعديد من المنشآت المختلفة وكذلك الى عدد كبير من العاملين والموظفين الأجانب للعمل بقطاعات الدولة الحكومية وغير الحكومية وكذلك دخول عدد كبير من الشركات الأجنبية المختلفة للمجتمع والسوق القطري لتنفيذ عقود الأعمال المسندة لها، الأمر الذي تطلب الاحتياج الى عدد كبير من المجمعات السكنية التي يمكنها استيعاب وتسكين هؤلاء الموظفين والعمال وعائلاتهم، كما تطلب الأمر وجود منشآت إدارية لتكون مقرا لهذه الشركات حتى يمكنها إدارة المشروعات المسندة لها.

 

نشر رد