مجلة بزنس كلاس
قطر اليوم

مع استمرار العمليات العسكرية الهادفة إلى تحرير ثاني أكبر المدن العراقية الموصل من قبضة تنظيم “داعش” تتوالى تحذيرات إقليمية وعالمية من حدوث كوارث إنسانية تهدد قرابة المليون ونصف المليون شخص، مما قد يؤدي إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في القرن الحادي والعشرين وسط دعوات متكررة لتدخل أممي من أجل إنقاذ أهالي المدينة من” كارثة مرتقبة” وحمايتهم ضمن ملاذات آمنة مع تأمين الغذاء والدعم الطبي اللازم لاسيما مع اقتراب حلول فصل الشتاء.
وفي هذا الإطار عقد اجتماع وزاري دولي حول مستقبل مدينة “الموصل” في باريس الخميس الماضي، حيث جرى بحث سبل تقديم الدعم الإنساني للمحاصرين في المدينة وضمان حماية السكان المدنيين وإدارة تدفق النازحين من مناطق القتال، بالإضافة إلى بحث كيفية إعادة الاستقرار في مدينة الموصل والمناطق المحيطة بها، والمناطق المحررة من تنظيم “داعش” بشكل عام.
ونوه سعادة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني وزير الخارجية، في كلمة له خلال مشاركته في الاجتماع، بضرورة أن تعمل الحكومة العراقية على ضمان سلامة وحماية المدنيين من أي مخالفات تنافي القيم الإنسانية والقانون الدولي الإنساني، مشددا على وجوب محاسبة كل من أقدم على ممارسات طائفية لتشكل رادعا لكل من يفكر في تكرار هذه الممارسات.
وأشار سعادته إلى أهمية الأخذ بعين الاعتبار مرحلة ما بعد التحرير وكيفية ضمان إعادة النازحين في أقرب وقت ممكن وتأمين المنطقة من أي خطر.
وأكد أن دولة قطر لن تدخر جهداً لمساعدة الأشقاء في العراق، موضحاً أن الهلال الأحمر القطري قد بدأ العمل مع وكالات الأمم المتحدة لمساعدة الأشقاء في العراق.
وصرح نائب الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية والإغاثة في حالات الطوارئ ، ستيفن أوبراين، بأن المدنيين في مدينة “الموصل”، في “خطر حقيقي”، فيما أظهرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الصراع الدائر في العراق في العامين ونصف العام الماضية، تسبب بفرار ثلاثة ملايين و ثلاثمئة ألف عراقي من ديارهم، مما يمثل واحدا من بين كل عشرة من السكان.
وأشار برونو جيدو ممثل المفوضية في العراق إلى أن التحدي الرئيسي الآن يتمثل في عدم توفر مساحات كافية من الأرض لاستيعاب النازحين المتوقعين. فيما بينت مصادر المنظمة الدولية للهجرة في العراق أنه منذ الخميس الماضي نزح 5.400 فرد من قضاء الموصل فيما انتقلت الغالبية العظمى من السكان الى ناحية “القيارة” في محافظة “نينوى”.
الى ذلك تخشى المنظمة الدولية للهجرة من مغادرة حوالي مئتي ألف شخص مدينة الموصل، الواقعة في شمال العراق، في غضون الأيام المقبلة، مما قد يجعل من عملية تحرير الموصل الأكبر والأكثر تعقيدا “انسانيا” على مستوى العالم، في خضم التطور السريع للأوضاع هنالك، لاسيما في ظل عمليات فرار الأفراد وعبورهم الى الحدود السورية كأقرب ملاذ للهروب قاصدين مخيمات للاجئين كمأوى مؤقت، ريثما يتم اعادة نقلهم الى مناطق آمنة داخل الحدود العراقية بحسب مصادر أممية.
من ناحيتها، حذرت حكومة إقليم “كردستان العراق” من وقوع “كارثة انسانية” في الموصل قد تدفع بمئات الآلاف الى الفرار صوب الإقليم مشددة على أنه يتعين على الأسرة الدولية أن تلعب دورها في إغاثة الفارين من ساحات القتال، في حين عبرت مصادر أممية ذات صلة عن مخاوفها من أن تؤدي عملية السيطرة على مدينة الموصل إلى كارثة إنسانية حقيقية، كما تستمر التحذيرات من احتمالية قيام التنظيم بعمليات انتقامية من الأهالي واستخدامهم كدروع بشرية، أو حصارهم بين خطوط القتال ، أو استخدام التنظيم لأسلحة كيميائية في المعركة، إذ أظهرت الأيام القليلة الماضية أن الخشية من قيام التنظيم بعمليات انتقامية كانت في محلها حيث أقدم على إعدام المئات جلهم من الأطفال والشباب وفقا لمراقبين .
بدورها رجحت مراجع عراقية ذات صلة بالمجتمع المدني حدوث أكبر كارثة إنسانية في عملية تحرير مدينة الموصل لاسيما إن طالت المعركة، وإن لم توضع خطة رصينة لها، مستدركة “أنه و في الوقت الحالي هناك خطة من قبل الحكومة الاتحادية والحكومة المحلية بمحافظة نينوى لكيفية خروج أهالي الموصل أثناء الحرب، ونحن بدورنا قدمنا مقترحاتنا لكيفية حماية المواطنين المدنيين داخل الموصل”، معربة عن أملها بأن تكون معركة تحرير الموصل نزيهة وذات طابع إنساني، وأن تتصدر حماية المدنيين أولويات المعركة، في وقت تبدي فيه تخوفها من ” إطالة الحرب وبقاء المدنيين داخل الموصل وعدم قدرتهم على الخروج أو منعهم من قبل تنظيم داعش”.
وحذر تقرير لمنظمة العفو الدولية “أمنستي” من تكرار ارتكاب الانتهاكات الإنسانية بحق المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم “داعش” فيما ناشدت سامينا غول، المديرة الإقليمية لمنظمة ” أطفال الحروب ” البريطانية في العراق، المجتمع الدولي لتقديم الدعم اللازم لضمان حماية أطفال الموصل من ويلات الاقتتال خلال الفترة المقبلة، معربة عن خشيتها من أن “تحمل معركة الموصل الحالية، لأطفال المدينة، مخاطر الموت أو الخطف أو الاعتداء أو الصدمات النفسية، فضلًا عن تعطيل التعليم”، مشددة على أهمية تأمين ممرات آمنة للفارين من هول القتال.
من جهتها طالبت منظمات معنية بحقوق الإنسان الحكومة العراقية والأطراف الأخرى المشاركة في القتال، بالالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وحماية المناطق المدنية والبنية التحتية خاصة وأن العائلات تواجه خيارات صعبة للغاية، فأما البقاء في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم “داعش” لتعاني بهذه الحالة من أعمال عنف واسعة، ونقص شديد في المواد الغذائية، أو الهرب من الاقتتال وسط مخاطر العبوات الناسفة والرصاص.
وفي سياق ذي صلة حذر المفوض الأوروبي للأمن، جوليان كينغ، من تدفق عناصر من  “داعش” الى أوروبا جراء تداعيات تحرير الموصل.
الى ذلك تمكنت القوات العراقية خلال الفترة الماضية وبدعم من “التحالف الدولي” بقيادة واشنطن من استعادة السيطرة على مدن ومناطق واسعة في شمال وغرب العراق.
وفي حال حررت الموصل من قبضة التنظيم، تبقى “الرقة” في سوريا آخر مدينة كبرى يسيطر عليها “داعش”، حيث قال وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر مؤخرا إن الولايات المتحدة تتوقع أن تتداخل عمليتا الموصل العراقية والرقة السورية ضد التنظيم، موضحا أن التحالف وضع أسس بدء عملية الرقة، ومنها تحديد القوى المحلية التي ستساعد التحالف في تحقيق الهدف المرسوم.
ويشارك في تحرير الموصل نحو ثلاثين ألفا من القوات الحكومية بمساندة جوية وبرية من التحالف الدولي الذي يضم 60 دولة، لتنفيذ هذه العملية ضد آخر وأكبر معاقل “داعش” في العراق، “فيما يقدر عدد مسلحي التنظيم المتواجدين داخل وحول مدينة الموصل بين 5000 إلى 6000 وفقا للفريق طالب شغاتي قائد القوات الخاصة العراقية”.
يذكر أن تنظيم “داعش” كان قد سيطر على الموصل ومناطق واسعة في العراق وسوريا، اثر هجوم شنه منتصف يونيو 2014.
تجدر الاشارة الى أن الموصل هي مركز محافظة نينوى وثاني أكبر مدينة في العراق من حيث السكان بعد العاصمة بغداد حيث يبلغ تعداد سكانها حوالي مليوني نسمة.

وتبعد الموصل عن بغداد مسافة تقارب حوالي 465 كلم ،وتشتهر بالتجارة مع الدول القريبة مثل سوريا وتركيا، ويتحدث سكانها اللهجة ( المصلاوية) التي تتشابه مع اللهجات السورية الشمالية.

نشر رد